لازم الإحباط والقلق المجتمع العراقي في ظل العملية السياسية المرتبكة في العراق وما آلت إليه من انقسام بين الكتل السياسية وبدأ الشعب يفقد الثقة بكل شركاء العملية السياسية لاسيما بعد انتخابات 2014 والتي لعب فيها المال السياسي الدور الأكبر لوصول مختلف مرشحي الكتل والاحزاب ، ومع تدهور الاوضاع على مختلف الأصعدة والفساد الإداري والمالي الذي نخر جسم الدولة وضياع المليارات من الأموال في مشاريع وهمية في مختلف المدن العراقية على حد سواء ، فضلاً عن الفوضى في مؤسسات الدولة إذا صح عليها مصطلح المؤسسات وفي الوقت الذي تعرض فيه البلد إلى أخطر مرحلة تهدد كيانه وحتى وجوده ،لاحظَ الشعب استغلال كل وسيلة من الكتل السياسية للوصول إلى السلطة والتنافُسِ على الوزارات التي أصبحتْ مغنماً وانعدام التفاهُمِ والتلاقي حتى بين التحالف الواحد والكتلة الواحدة ، ومع مطالبة المرجعية الدينية على الدوام بإصلاح الاوضاع السياسية والاقتصادية فهي لم تلق آذاناً صاغيةً حتى أغلقت أبوابها في وجه الجميع ، وبسبب هذه الاختلافات والمنافسات والتكالب على المناصب أصبح البلد في غضون ثلاثة أيام في مهب الرياح السوداء ، وعن طريق ماكنة إعلامية لا نظير لها اختلطت الأمور على المواطنين فبين مَن يرَّوجُ لتنظيم الدولة ومن يرَّوج لحزب البعث السابق ومَن يدعي إنهَّا ثورة ، لم يكن أمام أغلبية الشعب إلا الانتظار والتفرُّج ومتابعة القنوات الفضائية وانتظار الجديد.
عُرِفَ السيدُ عليُّ السيستاني بمواكبته المرحلة الجديدة في تاريخ العراق بعد سقوط حكم الفرد الواحد والحزب الواحد وفي مرحلة معقدة للغاية فالاحتلال الأمريكي يرغب في فرض رؤيته وأهدافه في هذا البلد بعد حصار وتجويع لشعب امتدَّ أربع عشرة سنةَ ، والدول المحيطة كل لديه الأهداف والتطلعات التي يرغب في تحقيقها في هذا البلد فمن يريد النظام الإسلامي ومن يرغب في عدم رؤية أي نظام ديمقراطي يمكن ان يؤثر على المنطقة ومن يرغب في بلد ضعيف مُفكَّكِ مُقسَّمٍ ، ولكلَّ من تلك الدول حلفاء وأصدقاء وعملاء انعكس سلباً على مجمل العملية السياسية وأدخلها في نظام المحاصصة والطائفية والتوازنات التي يجب أن ترضي حكام المنطقة وهذا غيض من فيض أدخل البلاد في أزمات ومشاكل وحروب حتى بات الناس يتحدثون عن محاسن ما قبل 2003 مع كل ظلمها ومآسيها ، وفي ظل هذه المشاكل كان الجميع ينتظر ويراقب ويسأل عن موقف المرجعية الدينية في أخطر مرحلة يمر بها العراق والمنطقة.
شغلت قضية نظام الحكم التي رستْ في معظم بلدان العالم وفق اختيار النظام الديمقراطي ، كونه الأقرب إلى تمثيل الشعب ، بعد دراسات استمرت منذ ظهور كتاب السياسة لأرسطو طاليس حوالي 2300ق.م ، واستمر الجدل في أوربا في العصور الوسطى وعصر النهضة وظهرت الكثير من الآراء والأفكار حول أنظمة الحكم وفصل السلطات، وشغلت قضية فصل السلطة الدينية عن السلطة السياسية الكثير من الباحثين ولازالت في متناول الكتاب والفلاسفة ، وباختصار كل ماهية الفكر السياسي ودوره ومتطلباته ، تبحث عن نظام الحكم الأفضل لحكم الناس، وهذا يعني أنَّ انظمة الحكم والمؤسسات القائمة عليها جاءت نتيجة تراكمات فكرية وممارسات أستمرت لمئات السنين حتى رستْ على ماهي عليه في وقتنا الحاضر، وأيِّ تجربةٍ في بلداننا العربية إذا سارتْ بشكل تصاعدي دون إخفاقات كبيرة تحتاج إلى عشرات السنين ، فكيف بتجربة معظم الفاعلين داخلياً وخارجياً يريد لها الفشل(1).
بدأت التجربة العراقية في محاولة لتطبيق هذا النظام بعد سقوط نظام الفرد الواحد الذي مثله صدام حسين في زمن حكم حزب البعث، والذي ترك بصماته في كل مؤسسات الدولة وفي عقلية الفرد العراقي الذي قدَّسَ المسؤول خوفاً ورغبةً في كلِّ دائرة من دوائر الدولة، وتجد دوماً حصرَ السلطات بيد المسؤول الأعلى والخِلاف معه لاسيما في قضايا الحق والعدل في أغلب الأحيان يؤدي بالضرر على الموظف ولذلك كثيراً ما تبتعد الناس عن تحُّملِ مسؤولياتها في القيام بوظائفها في الاعتراض والنقد لأخطاء المسؤول.
كان يَجب توفرُ شروط وظروف مهمة لنجاح التجربة الديمقراطية واستمرارها بشكل تصاعدي حتى لو أتسم بالبطأ ، فكيف بالظروف والمشاكل والمصاعب التي حلت بالعراق منذ عام 2003والتي لم يشهد لها مثيل أي بلدٍ في العالم ، فالتجربة العراقية تتنازعها قوتان فاعلتان تمثلت الأولى بالولايات المتحدة راعية التغيير في العراق ومحورها الكبير السائر في ركبها ، وهدفها الظاهر نظام ديمقراطي على أساس المبادئ التي تؤمن بها ، وهمها من العراق والمنطقة المصالح الاقتصادية ولم تشهد علاقاتها الاستراتيجية في السابق مع دول الخليج في تطوير أنظمة الحكم باتجاه الملكية الدستورية ، فكيف بمن يطالب بنظام ديمقراطي فهذا الأمر مرفوض تماماً في المنطقة برمتها(2) ، وذكرت مستشارة الأمن القومي الأمريكي السابقة كوندليزا رايس في لقاء عقدته في معهد بروكينغز إن امريكا دخلت العراق عام 2003 للإطاحة بالرئيس العراقي صدام حسين لا لجلب الديمقراطية لدولة الشرق الأوسط المحورية(3) .
المعروف أنَّ الولايات المتحدة أول دولة قامت على النظام الديمقراطي القائم على مبدأ الاقتراع في اختيار مجلسيها وقامت على نظام مؤسسات ديمقراطية وفصل السلطات وأدعى مؤسسوها في إعلان الاستقلال إنَّها تنشد الحرية لجميع الشعوب (4)، ولكن التجربة العراقية مع الولايات المتحدة مريرة لاسيما بعد قيادتها للحصار الاقتصادي على الشعب العراقي لأكثر من ثلاث عشرة سنة وصرح قادتها في أكثر من مناسبة نيتهم العودة بالبلاد إلى ما قبل العصور الوسطى ، وهي بتجويعها للشعب كانت تريد تمرير مخططاتها دون أي مقاومة فالشعب كان ينشد التغيير بأي وسيلة للخلاص من نظام صدام حسين وحزب العث(5).
القوى الثانية التي لها الأثر الكبير والمباشر على العراق بالجمهورية الإسلامية الإيرانية ، العدو الأول في المنطقة للولايات المتحدة ولدول الخليج التي رفضت التغيير في نظام الحكم وعدته خطراً على شعوبها لاسيما في الجانب الطائفي ، ولذلك عملت هذه الدول على تقديم كل ما يلزم لإطالة الحرب العراقية الإيرانية وساهمت في الحصار الاقتصادي على العراق، الدولة الفتية الإيرانية التي قامت بعد ثورة دينية كان لرجال الدين الدور الأبرز فيها والذي مكنهم من إقامة جمهورية إسلامية دينية تستند على نظام الولي الفقيه (6)، وشكَّلَ ذلك مشكلةً كبيرةً للغرب والمنطقة ، فالنظام الديني المسيحي حُجِّمَ وأُبعِدَ عن النظام السياسي منذ قيام الثورة الأمريكية والفرنسية وبات النظام العلماني هو السائد ، والبابا صاحب أكبر سلطة في التحكم باختيار الحكام في أوربا العصور الوسطى ، وحاكم أكبر امبراطورية مسيحية في ذلك الوقت ، حُجِّمَ دوره إلى الدرجة التي أصبحت دولته الفاتيكان أصغر دولة في العالم(7) ، كذلك دول العالم الاسلامي فبعد الاستقلال اتبعت النظام الدكتاتوري العلماني والذي يُدار من الغرب في معظم الدول، وهذا يعني رفض أي نظام قائم على الفكر الديني عالمياً وإقليمياً.
شكَّلَ العراق ولاسيما حوزته العلمية في النجف التحدي الأكبر للقوى الخارجية في احتمالية قيام نظام حكم مستند على الدين ، لاسيما بعد التطورات التي حدثت في أيران ولذلك كل تحرك مهم باتجاه تغيير النظام في إيران يقابله تضييق على الحوزة العلمية في العراق وهذا التضييق أتضحت معالمه مع وصول حزب البعث إلى السلطة و أولى المضايقات العلنية كانت في سنة 1969فصاعداً(8)، ومن المعروف أنَّ الحوزة العلمية شهدت حراكاً دينياً وفكرياً كبيراً ويمكن ملاحظة أَنَّ قادة الجمهورية الإسلامية وأهم الشخصيات الدينية الشيعية الفاعلة تلقت علومها الدينية في حوزة النجف الأشرف.
عَمل نظام البعث بكل قوة على القضاء على الحوزة العلمية وبكل الطرق المتبعة فقتل رجالاتها وضيق على علمائها، وأتَّبعَ بأجهزة الأمن كل مؤيد للنظام الحوزوي والديني حتى بات المواطن يخشى حتى حمل القرآن الكريم فضلاً عن قراءته (9)، وبعد الانتفاضة الشعبانية ضيق نظام البعث بشكل كبير على الحوزة العلمية وقام بحملة تشكيك وتفتيت منظمة ضد الحوزة العلمية، ونجح في زرع بذور التفرقة في الوسط الشيعي، لذلك كان من المستبعد تماماً وجود أي دور للحوزة العلمية في النجف في عراق ما بعد صدام حسين.
.............................................
1-جان جاك شوفاليه، تاريخ الفكر السياسي من المدينة الى الدولة القومية، ت: محمد عرب صاصيلا، بيروت، مجد المؤسسة الجامعية للدراسات للنشر والتوزيع، ط1، 2006.
2- للمزيد ينظر كنعان مكية، جمهورية الخوف، بيروت، منشورات الجمل.
3- السومرية الفضائية في 12 آيار 2017، جريدة اليوم السابع في 12آيار 2017.
4- أول نظام اقتراع لمجلس يمثل الشعب كان في الولايات المتحدة الامريكية، وأول نظام حكم ديمقراطي لاختيار مجلس نواب كان في الولايات المتحدة للمزيد ينظر: عبد الفتاح ياغي، الحكومة والإدارة العامة في الولايات المتحدة الامريكية، ط1، عمان، دار ومكتبة الحامد للنشر والتوزيع، 2011.
5- صرحت كوندليزا رايس أن الولايات المتحدة سوف تعيد العراق الى العصور الوسطى
6- للمزيد ينظر: روح الله الحسيني، الحكومة الإسلامية، بيروت، 2008.
7- فائق طهبوب، محمد سعيد حمدان، تاريخ العالم الحديث والمعاصر، القاهرة، الشركة العربية المتحدة للتسويق والتوريدات، 2007، ص ص 108-120.
8- علي احمد البهادلي، الحوزة العلمية في النجف معالمها وحركتها الاصلاحية (1920-1980)، بيروت، دار الزهراء، 1993، ص304.
9- المصدر نفسه