أخذت الأوضاعُ بالتدهور شيئاً فشيئاً بعد اليوم العاشر وتوسَّعت سيطرت الإرهابين على مناطقَ عدة ، وتَّم إسناد تقدُّم تنظيم الدولة بماكنة إعلامية قل نظيرها ، المتابع لها يظنُّ أنَّ الطريقَ إلى بغداد والسيطرة عليها مسألةُ وقتٍ ، وفي يوم الثاني عشر من حزيران أعلن التنظيم أنه لن يتوقف حتى السيطرة على بغداد وكربلاء، والمعركة الحاسمة سوف تكون في بغداد ، ونقتبس من كلمة أبي محمد العدناني التي كانت تحت عنوان (مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ) ونقلتها مختلف الوكالات والاذاعات تحت عنوان : تنظيم الدولة الإسلامية يدعو مقاتليه لمواصلة الزحف نحو بغداد وكربلاء والنجف في 12 حزيران 2014، وذكرت : دعا تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام الذي يشن هجوماً كاسحاً في العراق تمكن خلاله من السيطرة على مدينتي الموصل وتكريت إلى مواصلة الزحف جنوباً نحو العاصمة بغداد ومدينة كربلاء الشيعية ، وقال أبو محمد العدناني أحد أبرز قيادات تنظيم الدولة الإسلامية والمتحدث باسمه في كلمة نشرت على مواقع تعنى بأخبار الجهاديين "واصلوا زَحفكمْ فإنَّه ما حِمي الوطيسُ بَعدَ ، فلن يحمي إلا في بغداد وكربلاء فتحزموا وتجهزوا" وأضاف "شمّروا عن ساعد الجد ولا تتنازلوا عن شبر حررتموه وازحفوا إلى بغداد الرشيد، بغداد الخلافة، فلنا فيها حِسابْ ثقيل طويل، ولكنَّ تصفية الحِساب لن تكون في سامراء أو بغداد ، وإنما في كربلاء المُنجَسة والنجف الأشرك (فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ)(1).
والحدث الثاني الذي أرعب الجميع قيام تنظيم الدولة بأسر جنود من قاعدة سبايكر الجوية التي تقع قرب تكريت في 12 حزيران 2014 وقتلهم بأبشع طريقة ، وانتشرت مقاطع التصوير على مواقع التواصل الاجتماعي في العالم أجمع ، ومن سخريات القدر أن الولايات المتحدة المتحالفة مع العراق باتفاقية الأطار الاستراتيجي كانت طائراتها تنقل مواطنين أمريكيين من قاعدة بلد الجوية ولم تتدخل لإنقاذ الطلاب ، وكان ذلك خير دليل على اهتمام الولايات المتحدة بمصالحها فقط في العراق ، وكل المواقف الصادرة منها لم يكن يهمها التقدم الحاصل ، وفي ذلك الوقت الحرج تطالب بتسويات سياسية ومصالحة مجتمعية .
كان على المرجعية الدينية في النجف الاشرف أن تقول كلمتها وهي التي عهدها الشعب العراقي صمام الامان، في وقت لن ينفع الكلام مع التدهور الحاصل ، ولذلك اختارت المكان والزمان الاكثر تأثير على نفوس العراقيين ومن يَنشدُ الحريةَ والسلام في كل العالم ، ومن كربلاء حيث مرقد الحسين بن علي الذي تردد شعاره عبر الأزمان "هيهات مِنا الذلة" والذي أصبح شعاراً لكل حرِ شريف يدافعُ عن وطنه وشعبه وعرضه ومقدساته ، قَدمَ مُمثلِ المرجعية الدينية في مدينة كربلاء الشيخ عبد المهدي الكربلائي البيان الخالد وهو ما عرف بفتوى الدفاع الكفائي(2) .
تطرق الكربلائي في خطبته الثانية من صلاة الجمعة والتي أُقيمت في الصحن الحسيني الشريف في 14شعبان 1435هـ الموافق 13/6/2014م، متناولاً فيها ستة أمور استهلها بالقول:
أيها الاخوة والاخوات:
إنَّ الأوضاع التي يمرُّ بها العراق ومواطنوه خطيرة جداً، ولابدَّ ان يكونَ لدينا وعي بعمق المسؤولية الملقاة على عاتقنا (إنَّها مسؤولية شرعية ووطنية كبيرة).
أيها الاخوة والاخوات أود توضيح ما يلي:
أولاً: إنَّ العراق وشعبه يواجه تحدياً كبيراً، وخطراً عظيماً، وإنَّ الإرهابيين لا يستهدفون السيطرة على بعض المحافظات كنينوى وصلاح الدين فقط.. بل صرّحوا بأنهم يستهدفون جميعَ المحافظات، ولا سيما بغداد وكربلاء المقدسة والنجف الأشرف.. فهم يستهدفون كُلَّ العراقيين وفي جميع مناطقهم. ومن هنا فإن مسؤولية التصدي لهم ومقاتلتهم هي مسؤولية الجميع ولا يختصُّ بطائفة دون أخرى او بطرفٍ دون آخر(3).
ثانياً: إن التحدي وإنْ كان كبيراً إلاّ أنًّ الشعب العراقي الذي عُرِفَ عنه الشجاعة والإقدامُ، وتحمُّلُ المسؤولية الوطنية والشرعية في الظروف الصعبة؛ أكبرُ من هذه التحديات والمخاطر. فإنّ المسؤولية في الوقت الحاضر هي حِفْظُ بلدنا العراق ومقدساته من هذه المخاطر، وهذه توفَرُ حافزاً لنا للمزيد من العطاء والتضحيات في سبيل الحفاظ على وحدة بلدنا وكرامته، وصيانة مقدساته مِن أنْ تهتكَ من قبل هؤلاء المُعتدينَ.
ولا يجوز للمواطنين الذين عهدنا منهم الصبرَ والشجاعة والثبات في مثل هذه الظروف أن يدبَ الخوفُ والإحباطُ في نفسِ أيِّ واحد منهم، بلّ لابدَّ أنْ يكون ذلك حافزاً لنا لمزيد من العطاء في سبيل حفظ بلدنا ومقدساتنا(4).
قال تعالى في محكم كتابه الكريم:
)يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ 200(- سورة آل عمران-.
وقال تعالى: (قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (128) – سورة الأعراف-.
وقال تعالى: (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (46) – سورة الأنفال-.
وقال تعالى: (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمْ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ (214) – سورة البقرة-.
وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (87) – سورة المائدة-.
ثالثاً: إنَّ القيادات السياسية أمام مسؤولية تاريخية ووطنية وشرعية كبيرة... وهذا يقتضي ترك الاختلافات والتناحُر خلال هذه الفترة العصيبة، وتوحيد موقفها وكلمتها، ودعمها واسنادها للقوات المسلحة... ليكون ذلك قوة إضافية لأبناء الجيش العراقي في الصمود والثبات.
رابعاً: إن دفاع أبنائنا في القوات المسلحة وسائر الأجهزة الأمنية هو دفاع مقدس، ويتأكد ذلك حينما يتضح أنَّ منهجَ هؤلاء الإرهابيين المُعتدينَ هو منهج ظلاَّمي بعيد عن روح الإسلام، يرفض التعايش مع الآخر بسلام، ويعتمد العنف وسفك الدماء، وإثارة الخلاف الطائفي وسيلة لبسط نفوذه وهيمنته على مختلف المناطق في العراق والدول الاخرى.
يا أبنائنا في القوات المسلحة.. إنَّكم أمامَ مسؤولية تاريخية ووطنية وشرعية، واجعلوا قصدكم ونيتكم ودافعكم هو الدفاع عن حرمات العراق ووحدته، وحفظ الأمن للمواطنين، وصيانة المقدسات من الهتك، ودفع الشر عن هذا البلد المظلوم وشعبه الجريح. وفي الوقت الذي تؤكَّدُ فيه المرجعية الدينية العليا دعمَها واسنادَها لكم.. تحثكم على التحلي بالشجاعة والبسالة والثبات والصبر، وإنَّ مَن يضحي منكم في سبيل الدفاع عن بلده وأهله وأعراضهم؛ فإنه يكون شهيداً إن شاء الله تعالى، والمطلوب ان يحث الأبُّ ابنه والأمُّ ابنها والزوجةُ زوجها على الصمود والثبات دفاعاً عن حرمات هذا البلد ومواطنيه..
خامساً: إنَّ طبيعة المخاطر المُحدقَة بالعراق وشعبه في الوقت الحاضر تقتضي الدِفاعَ عن هذا الوطن وأهله وأعراض مواطنيه، وهذا الدفاع واجب على المواطنين بالوجوب الكفائي (بمعنى إنَّ مَن يتصدى له وكان فيه الكفاية بحيث يتحقق الغرض وهو حفظ العراق وشعبه ومقدساته يسقط عن الباقين) وتوضيح ذلك بمثال أنه إذا تصدى عشرة آلاف وتحقق الغرض منهم سقط عن الباقين فإن لم يتحقق وجب على البقية وهكذا..
ومن هنا فإنَّ على المواطنين الذين يتمكنون من حمل السلاح ومُقاتلة الإرهابيين دفاعاً عن بلدهم وشعبهم ومقدساتهم... عليهم التطوع للانخراط في القوات الأمنية.
سادساً: إنَّ الكثير من الضباط والجنود قد أبلوا بلاء حسناً في الدفاع والصمود وتقديم التضحيات، فالمطلوب من الجهات المعنية تكريم هؤلاء تكريماً خاصاً، لينالوا استحقاقهم من الثناء والشكر، وليكون حافزاً لهم ولغيرهم على أداء الواجب الوطني المُلقَى على عاتقهم.
نسأل الله تعالى ان يحفظ العراق وشعبه وجميع الشعوب (5).
يمكن القول إنَّ البيان الصادر في خطبة الجمعة الثانية كان وطنياً بامتياز، إذ لم تذكر فيه مفردة الطائفة إلاَّ مرة واحدة "ان مسؤولية التصدي لهم ومقاتلتهم مسؤولية الجميع ولا تختص بطائفة دون أخرى أو طرف دون آخر" وتكررت مفردة العراق إحدى عشرة مرة ومصطلح المواطنة والمواطن سبع مرات، وجاءت مفردةُ المقدس التي تشير إلى المراقد المقدسة بعد العراق وشعبه وإنَّ الدفاعَ عن الوطن واجب كفائي، ومن الغريب ونحن في زمن الفضائيات والتواصل الاجتماعي بكلِّ اشكاله يعدُّ بيان المرجعية طائفياً وتحريضاً لطائفة على أُخرى.
................................................
(1) أف ب: تنظيم "الدولة الاسلامية" يدعو مقاتليه لمواصلة "الزحف" نحو بغداد وكربلاء والنجف.
(2) Origins Ideology and responses by Mainstream Muslim Scholars, National Center of Excellence for Islamic Studies,2016, p.2.
(3) تناقلت البيان معظم وكالات الانباء العالمية وتم نشره في معظم الصحف العراقية الصادرة في يوم 11/6/2014.
(4) أف ب: تنظيم "الدولة الاسلامية" يدعو مقاتليه لمواصلة "الزحف" نحو بغداد وكربلاء والنجف.
(5) البيان الذي عرف بفتوى الدفاع الكفائي تناقلته معظم وكالات الانباء ونشر في معظم الصحف العالمية.