معركة هزار أسب (1): اقتنع السلطان سنجر بظهور دلائل العصيان والتمرد على أتسز، وكان مقيماً في خراسان، فقرر القضاء على تمرده قبل أن يستفحل خطره، فسار على رأس حملة عسكرية متوجهاً إلى خوارزم في (محرم 533هـ/ أيلول 1138م)، وما إن علم أتسز بخروجه حتى استعد لمواجهته والتصدي له، وعمد إلى عرقلة تقدمه، فدمر سدود المياه على نهر جيحون فأغرقت المناطق المحيطة بمعسكره، وتعذر على السلطان سنجر مواصلة التقدم، واضطر إلى تغيير خطته العسكرية ليهاجم أتسز من جهة الصحراء، وجرت المعركة بينهما في هزار أسب، وعلى الرغم من كثرة عدد جنود أتسز وشدة مراسهم في القتال إلا أنهم لم يستطيعوا الصمود أمام قوات السلطان التي تمكنت من إحراز نصر واضح عليهم، وفرَّ المنهزمون في كل اتجاه، فتلقفتهم القوات السلطانية وقتلت عدداً كبيراً منهم. وكان آتليق بن أتسز قد وقع في الأسر، فأمر السلطان بقتله، ولاذ أتسز بالفرار إلى الجنوب الغربي باتجاه جرجان فاختبأ هناك ودخل السلطان سنجر الجرجانية عاصمة خوارزم فأعلن خلع أتسز وعين ابن أخيه لأمه، ويدعى سليمان بن محمد، والياً عليها، كما عيَّن معه وزيراً وأتابكاً وموظفين إداريين لإدارة شؤون الإقليم، ثم غادر إلى عاصمته مرو (2).
رد فعل أتسز : وما جرى بعد مغادرة السلطان من مقاومة أهالي العاصمة للسلطة الجديدة بفعل كراهيتهم للحكم السلجوقي ومحبتهم لأميرهم أتسز ؛ اضطر سليمان بن محمد إلى الخروج منها، وعاد أتسز إليها في (رجب 533هـ / آذار 1139م)، فاستقبله الناس ورحبوا به، وتجمعت فلول جنده ،الفارين، فأعاد تنظيم صفوفهم، وراح يغير على الأراضي السلجوقية كرد فعل ،انتقامي ويدل ذلك على الروح الاستقلالية لديه ولدى رعاياه فهاجم ،بخارى وأسر واليها زنكي بن علي، وهدم قلعتها، وعلى الرغم من نجاحه هذا، فقد خشي أن يقوم السلطان سنجر بحملة ضده تكون نتائجها كارثية على مستقبله السياسي، وبفعل ما عُرف عنه من بعد نظر، أرسل إليه يُعرب له عن ندمه لما بدر منه، ويُعلن خضوعه ،له وتقبله لسلطة السلاجقة، وتعهد له بالوفاء وهو ينوي الغدر، بدليل أنه في (ربيع الأول 536هـ/ تشرين الأول 1141م) قام بمهاجمة خراسان مركز السلطة السلجوقية، مستغلاً غياب السلطان سنجر وظروفه السياسية العصيبة التي يمر بها بعد خسارته القاسية أمام القراخطائيين في قطوان فاستولى على ،سرخس وحاصر العاصمة مرو ودخلها عنوة، وقتل العديد من أعيانها ونهب جنوده المدينة، ثم سار في (شوال 536هـ/ أيار 1142م) إلى مدينة نيسابور فاستسلم له أهلها، فقطع الخطبة للسلطان سنجر، وخطب باسمه على
منابرها، وبعد أن مكث فيها أربعة أشهر عاد إلى بلاده مصطحباً معه عدداً من وجوه خراسان وفقهائها وعلمائها (3).
استئناف العمليات العسكرية: عاد السلطان سنجر بعد هزيمته في قطوان إلى خراسان، وكان أتسز قد غادرها قبل ذلك، وبعد أن استقرت له الأمور عقد العزم على الانتقام من أتسز، فجهَّز حملة عسكرية ضخمة، وخرج من عاصمته مرو باتجاه الجرجانية، وذلك في عام (538هـ / 1143م) ولما وصل إليها ضرب عليها حصاراً مركزاً وضربها بالمنجنيق والقاذفات، إلا أن دفاع أهلها المستميت عنها حال دون تحقيق النصر الذي أتى من أجله، واضطر أخيراً إلى رفع الحصار عنها وعاد إلى خراسان متذرعاً برسالة أتسز التي يعتذر فيها عما بدر منه (4).
والواقع أنه تضافرت عوامل عدة أجبرته على رفع الحصار عن الجرجانية، أهمها (5):
1- بروز خطر القراخطائيين: كان القراخطائيون قد وصلوا في تقدمهم غرباً إلى حدود إقليم خوارزم، وأضحى الخوارزميون يدورون في فلكهم السياسي، ويدفعون لهم ضريبة التبعية ومقدارها ثلاثون ألف دينار ذهب فخشي السلطان سنجر من أن يستأنف هؤلاء تقدمهم باتجاه خراسان عبر نهر جيحون الذي يشكل حاجزا بين بلاد ما وراء النهر وخراسان.
2 - تراجع قوته الذاتية: شعر السلطان سنجر بتراجع قدرته العسكرية بعد الهزيمة القاسية التي تعرض لها في قطوان على أيدي القراخطائيين، بدليل فشله في اقتحام الجرجانية على الرغم من الاستعدادات الضخمة التي أعدها.
3- انهماكه في إعادة الوحدة إلى البيت السلجوقي: انهمك السلطان سنجر في إعادة الوحدة إلى البيت السلجوقي ووقف الصراعات الدائرة والحروب الأهلية التي لم تنقطع بين أبناء ملكشاه وأحفاده وقد تطلب منه هذا العمل أن يقضي كثيراً من وقته في الذهاب إلى المناطق الغربية لإصلاح ذات البين وإعادة الاستقرار إلى ربوع الدولة السلجوقية بالإضافة إلى وحدتها السياسية، هذا في الوقت الذي كان يتعرض لمحاولات غزنوية للانعتاق من الحكم السلجوقي والمعروف أنه ضم أراضي الغزنويين إلى دولته في عام (508هـ / 1114م).
استؤنفت العلاقات العدائية بين السلطان سنجر وأتسز، وتطورت باتجاه الصدام المسلح عندما أقدم أتسز على محاولة اغتيال السلطان على طريقة الحشيشية، فأرسل إلى مرو رجلين من الخوارزميين لتنفيذ المهمة، فعلم سفيره أديب صابر، وكان في الجرجانية، فأرسل إليه رسالة يصف فيها ملامح الرجلين القادمين لاغتياله، فتحرى عنهما فتمكن من القبض عليهما وقتلهما، وعندما علم أتسز بذلك أغرق أديب صابر في نهر جيحون (6).
أثارت هذه الحادثة السلطان سنجر، فقرر القضاء على أتسز نهائياً، فجرَّد عليه حملة عسكرية (في جمادى الآخرة 542هـ/ تشرين الثاني 1147م)، استولت على مدينة هزار اسب بعد حصار دام مدة شهرين سارت بعدها إلى العاصمة وحاصرتها، إلا أن السلطان توقف فجأة عن الحصار، وتفاهم مُرغماً مع أتسز وعاد إلى مرو (7).
فما الذي دفعه إلى هذا التصرف والتنازل عما يراه واجباً على واليه تجاهه؟
الواقع أنه حدث تطور مفاجئ على المسرح السياسي تمثل ببروز قوة جديدة هي قوة الغوريين (8)، وازدياد نشاط القراخطائيين، ومن واقع توازن القوى فأراد أن يستقطب أتسز حتى لا ينضم إلى أعدائه ويؤلبهم عليه، فيضعف بذلك موقفه.
وعندما وصل إلى عاصمته أرسل إليه التشريفات والإنعامات السلطانية، وبادله أتسز بإرسال الهدايا والتحف وأوحى له بأنه من أتباعه (9)، وبدا كأن الرجلين قد نبذا خلافاتهما، لكن ظاهرياً على الأقل.
لم يكن هذا التفاهم آخر حلقات العلاقات بين السلطان سنجر وأتسز الخوارزمي فقد أخذت أوضاع السلطان في التدهور بعد أن تعرّض لهزيمة أخرى أمام الثوار الغز ووقع أسيراً مع زوجته في قبضتهم، وذلك في (6 محرم 548هـ / 3 نیسان 1153م)، وما إن علم أتسز بأسره حتى سار على رأس حملة عسكرية متوجهاً إلى خراسان لاقتطاع أكبر رقعة ممكنة مما كان تحت حكم السلطان سنجر، واتخذ من دعوة حاکم خراسان الجديد ،له وهو ركن الدين محمود بن محمد، ابن أخت السلطان الذي اختاره الأمراء لخلافته لمساعدته في إخماد ثورة الغز؛ ذريعة لتحقيق أطماعه أملاك السلاجقة(10).
كانت فاتحة أعماله العسكرية مهاجمة آمل المدينة المهمة، الواقعة على الطريق من خراسان إلى بلاد ما وراء النهر على الحافة الغربية لنهر جيحون، وبذل جهوداً كبيرة في إقناع حاكمها بتسليمها إليه فرفض فالتفت إلى السلطان سنجر الذي كان لا يزال في الأسر واستخدم حيله البارعة، والمراوغة وأظهر خضوعه له مقابل إعطائه المدينة، فاشترط السلطان عليه أن يمده بقوة عسكرية لحرب الغز. وما حدث في ذلك الوقت من فرار السلطان من أسره ووصوله إلى ترمذ في طريقه إلى عاصمته أسقط حتى في يد أتسز، وأخذ يفكر بالعودة إلى خوارزم، فذهب إلى مدينة خبوشان القريبة من نیسابور، فأصيب : وهو بها بالفالج وتوفي من أثره، وذلك في (9 جمادى الآخرة 551هـ/ 30 تموز 1156م)(11).
......................................................................
(1) هزار أسب: كلمة فارسية تعني ألف حصان، وتُعرف اليوم بهزار أسف، وتقع بالقرب من مجرى نهر جيحون السفلي الحموي: جـه ص 404.
(2) ابن الأثير: جـ 9 ص 100.
(3) الحسيني ص 95 ابن الأثير: ج 5 ص 120، 121، 11. الجويني: جـ 2 ص 5.
(4) الجويني: المصدر نفسه ص7، 8.
(5) الغامدي: ص 503، 504
(6) الجويني: جـ 2 ص 8.
(7) المصدر نفسه ص 10.
(8) الغور: جبال وولاية بين هراة وغزنة لا تنطوي على مدينة مشهورة وأكبر قلعة فيها هي فيروزكوه، وأسس الغوريون دولة حكمت جزءاً كبيراً من خراسان وبلاد الغزنويين في الهند والسند منذ عام (543هـ / 1148م).
(9) الجويني: جـ 2 ص 10.
(10) المصدر نفسه ص12.
(11) الجويني: جـ 2 ص 13.