دلالة آية الولاية على امامة امير المؤمنين (عليه السلام)
المؤلف:
آية الله السيد محسن الخرّازي
المصدر:
بداية المعارف الإلهية في شرح عقائد الإمامية
الجزء والصفحة:
ج2، ص 119 - 125
2025-11-29
7
الآيات [الدالة على الامامة] كثيرة وقد اشير إليها في الكتب التفسيريّة والكلاميّة والمصنّف ـ قدس سره ـ اكتفى بآية واحدة ، وهي آية الولاية ، وهي من الآيات الباهرات ، وتقريب تلك الآية على ما في العقائد الحقّة وغيرها : أنّ وجه الاستدلال أنّ لفظة إنّما للحصر لاتفاق أهل العربية عليه ، والوليّ وإنّ ذكر له معان ، لكن لا يناسب مع الحصر المذكور معنى غير الأولى بالتصرّف ، كقولهم : السلطان وليّ من لا وليّ له ووليّ الدم ووليّ الميّت وقوله : أيّما امرأة نكحت بغير إذن وليّها فنكاحها باطل ، وقد ذكر المفسرون أنّ المراد بهذه الآية الشريفة علي بن أبي طالب ـ صلوات الله عليه ـ لأنّه لمّا تصدّق بخاتمه حال ركوعه نزلت هذه الآية (1).
قال العلّامة الحليّ ـ قدس سره ـ : أجمعوا على نزولها في عليّ ـ عليه السلام ـ وهو مذكور في الصحاح الستة لمّا تصدّق بخاتمه على المسكين في الصلاة بمحضر من الصحابة ، والوليّ هو المتصرف ، وقد أثبت الله تعالى الولاية لذاته ، وشرك معه الرسول وأمير المؤمنين وولاية الله عامّة فكذا النبيّ والوليّ (2) فالمحصور فيه الولاية معلوم للصحابة على ما تشهد له الأخبار الواردة في الصحاح وهو عليّ عليه السلام.
وقال الاستاذ الشهيد آية الله المطهريّ ـ قدس سره ـ : لم يرد في الشرع أمر بأداء الزكاة في حال الركوع حتّى يكون ذلك قانونا كليا وله أفراد ، فالآية إشارة إلى قضية خارجية لم تقع إلّا مرّة واحدة ، والشيعة وأهل التسنن اتفقوا على أنّ هذه القضية هي التي وقعت من عليّ ـ عليه السلام ـ حال ركوعه في الصلاة ، فالآية نزلت في حقّه ، وعليه فالآية لا تدلّ إلّا على ولاية عليّ عليه السلام (3).
وبالجملة فالحصر في المقام يدلّ على أنّ المراد من الولاية هو الأولى بالتصرف لا غير ، وإلّا فلا يصحّ الحصر إذ المحبّة والنصرة لا اختصاص لهما بقوم دون قوم ، هذا مضافا إلى وحدة السياق فإنّ المراد من الوليّ في الله تعالى ورسوله الأعظم هو الأولى بالتصرف ، وهكذا في الذين آمنوا ... الآية ، كما أنّ خارجية القضية تشهد بكون المراد منها هو ما وقعت من عليّ ـ عليه السلام ـ بمحضر الصحابة ، وهذا التقريب أسدّ وأخصر ممّا في دلائل الصدق حيث قال : لا يبعد أنّ الوليّ مشترك معنى موضوع للقائم بالأمر أي الذي له سلطان على المولى عليه ولو في الجملة ، فيكون مشتقا من الولاية بمعنى السلطان ، ومنه وليّ المرأة والصبي والرعية أي القائم بأمورهم ، وله سلطان عليهم في الجملة ، ومنه أيضا الوليّ بمعنى الصديق والمحبّ فإنّ للصديق ولاية وسلطانا في الجملة على صديقه وقياما باموره ، وكذا الناصر بالنسبة إلى المنصور ، والحليف بالنسبة إلى حليفه ، والجار بالنسبة إلى جاره ، إلى غير ذلك ، فحينئذ يكون معنى الآية : إنّما القائم باموركم هو الله ورسوله وأمير المؤمنين ، ولا شك أنّ ولاية الله تعالى عامّة في ذاتها مع أنّ الآية مطلقة ، فتفيد العموم بقرينة الحكمة ، فكذا ولاية النبيّ والوصيّ فيكون عليّ ـ عليه السلام ـ هو القائم بامور المؤمنين ، والسلطان عليهم ، والإمام لهم.
ولو سلّم تعدد المعاني واشتراك الوليّ بينها لفظا فلا ريب أنّ المناسب لا نزال الله الآية في مقام التصدق أن يكون المراد بالوليّ هو القائم بالامور لا الناصر ، إذ أي عاقل يتصور أنّ إسراع الله سبحانه بذكر فضيلة التصدّق واهتمامه في بيانها بهذا البيان العجيب لا يفيد إلّا مجرد بيان أمر ضروري ، وهو نصرة علي ـ عليه السلام ـ للمؤمنين.
ولو سلّم أنّ المراد الناصر فحصر الناصر بالله ورسوله وعليّ لا يصحّ إلّا بلحاظ إحدى جهتين :
(الاولى) : أنّ نصرتهم للمؤمنين مشتملة على القيام والتصرّف بامورهم ، وحينئذ يرجع إلى المعنى المطلوب.
(الثانية) أن تكون نصرة غيرهم للمؤمنين كلا نصرة بالنسبة إلى نصرتهم ، وحينئذ يتمّ المطلوب أيضا ؛ إذ من لوازم الإمامة النصرة الكاملة للمؤمنين ، ولا سيّما قد حكم الله عزوجل بأنّها في قرن نصرته ونصرة رسوله.
وبالجملة قد دلّت الآية الكريمة على انحصار الولاية بأيّ معنى فسّرت بالله ورسوله وأمير المؤمنين ، وأنّ ولايتهم من سنخ واحد ، فلا بدّ أن يكون أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ ممتازا على الناس جميعا بما لا يحيط به وصف الواصفين ، فلا يليق إلّا أن يكون إماما لهم ونائبا من الله تعالى عليهم جميعا.
ويشهد لإرادة الإمامة من هذه الآية، الآية التي قبلها الداخلة معها في خطاب واحد ، وهى قوله تعالى : «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ واسِعٌ عَلِيمٌ إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ» الآية ، فإنّها ظاهرة في أنّ من يأتي بهم الله ، تعالى من أهل الولاية على الناس ، والقيام بامورهم ؛ لأن معناها يا أيّها الذين آمنوا من يرتدّ منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم مخصوصين معه بالمحبة بينه وبينهم ، أذلّة على المؤمنين ، أي متواضعين لهم تواضع ولاة عليهم ؛ للتعبير ب «على» التي تفيد العلوّ والارتفاع ، أعزّة على الكافرين أي ظاهري العزّة عليهم والعظمة عندهم ، ومن شأنهم الجهاد في سبيل الله ، ولا يخافون لومة لائم ، ومن المعلوم أنّ هذه الأوصاف إنّما تناسب ذا الولاية والحكم والإمامة ، فيكون تعقبها بقوله تعالى : (إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ) الآية دليلا على أنّ المراد بوليّ المؤمنين إمامهم القائم بامورهم للارتباط بين الآيتين (4).
وهنا تقريب آخر مذكور في كتاب الإمامة والولاية حيث قال : إنّ هذا الخطاب الإلهي يتوجه إلى الامة الإسلامية ليحدّد لها أولياءها بالخصوص ، وأنّ من الواضح جدا هنا أن المولى غير المولى عليه فالذين آمنوا ـ في تعبير الآية ـ هم غير المخاطبين المولّى عليهم ، وسياق هذه الآية ليس كسياق الآية الشريفة (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض) لأنّ الآية في مقام بيان الأولياء من الله تعالى والرسول الأعظم والذين آمنوا ، وهو أمر لا يخفى على العارف بأساليب الكلام.
وعليه ف (الَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ) هم أفراد معيّنون ، لهم شأن وامتياز عن الآخرين ، وذلك إمّا لأنّ هذه الصفات المذكورة تتجلّى بكلّ واقعها فيهم أو لأنّهم سبقوا غيرهم إليها ، كما أنّ من الواضح أيضا أنّ حقيقة هذه العلاقة المعبّر عنها بالولاية ، بين الله ورسوله وهؤلاء الذين آمنوا ، وبين أفراد الامة الإسلامية ليست كالرابطة المتقابلة بين فردين أو جماعتين من الامة أي رابطة الحبّ والتعاون والتناصر ، وإنما هي علاقة خاصّة يكون أحد الطرفين فيها مؤثّرا في الآخر دون العكس ، وليست هي إلّا الأولوية في التصرف ، وإن اختلفت بالنسبة إلى الله تعالى وإلى غيره أصالة وتبعا وشدّة وضعفا ، فولاية الله تعالى هي الأصيلة في حين أنّ ولاية الرسول ومن يتلوه هي ولاية مستمدّة من ولاية الله تعالى.
إذا لاحظنا هذا الذي قلناه وأدركنا الربط بين الحكم الوارد في هذه الآية ومدى تناسبه مع موضوعه ، وركّزنا على جعل ولاية الذين آمنوا ـ هؤلاء ـ في سياق ولاية الله تعالى ورسوله عرفنا بدقّة أنّ المراد منهم أولو الأمر الذين افترض الله طاعتهم على المؤمنين ، وقرن طاعتهم بطاعته وطاعة رسوله ـ إلى أن قال ـ : وقد جاءت الولاية المعطاة لهؤلاء مطلقة في الآية بلا أي تقييد بجانب معيّن من الجوانب ؛ ولذا فيلتزم بهذا الإطلاق إلّا ما خرج بالدليل القطعيّ ، وهو الاستقلال بالولاية التكوينيّة والتشريعيّة ، فولايتهم على أيّ حال تبعية متفرعة على ولاية الله تعالى الأصيلة المستقلة (5).
وبالجملة مقتضى مغايرة المضاف مع المضاف إليه في قوله : (إِنَّما وَلِيُّكُمُ) أنّ المراد من الوليّ هو الأولى بالتصرّف وإلّا فلا مغايرة بعد كون النصرة أو المحبّة لا تختص بقوم دون قوم ؛ لأنّ كلّ مؤمن بالنسبة إلى آخر يكون كذلك ، مع أنّ سياق الآية لا يكون في مقام بيان كون المؤمنين بعضهم محبّا أو ناصرا للبعض ؛ إذ الآية في مقام بيان تعيين الأولياء من طرف واحد ، وهم : الله والرسول والذين آمنوا.
وكيف كان فالآية من آيات الولاية والإمامة ، ويؤيدها الأخبار الكثيرة ، منها : ما عن الثعلبيّ عن أبي ذر الغفاري قال : أما إني صليت مع رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ يوما من الأيام الظهر ، فسأل سائل في المسجد ، فلم يعطه أحد شيئا ، فرفع السائل يديه إلى السماء وقال : اللهم اشهد إني سألت في مسجد نبيّك محمّد ـ صلى الله عليه وآله ـ فلم يعطني أحد شيئا ، وكان عليّ ـ رضياللهعنه ـ في الصلاة راكعا فأومأ إليه بخنصره اليمنى وفيه خاتم فاقبل السائل فأخذ الخاتم من خنصره ، وذلك بمرأى من النبي ـ صلى الله عليه وآله ـ وهو في المسجد ، فرفع رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ طرفه إلى السماء وقال : «اللهم إنّ أخي موسى سألك ، فقال (رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي ، وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي يَفْقَهُوا قَوْلِي وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي هارُونَ أَخِي اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي)» فانزلت عليه قرآنا (سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُما سُلْطاناً فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُما) اللهم وإنّي محمّد نبيّك وصفيّك اللهم واشرح لي صدري ويسر لي أمري واجعل لي وزيرا من أهلي عليّا اشدد به ظهري. قال أبو ذر ـ رضي الله عنه ـ فما استتم دعاءه حتّى نزل جبرئيل ـ عليه السلام ـ من عند الله عزوجل قال يا محمّد اقرأ (إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ) (6).
ومنها : ما رواه الكلينيّ ـ قدس سره ـ عن أبي جعفر ـ عليه السلام ـ قال : أمر الله عزوجل رسوله بولاية عليّ وأنزل عليه (إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ). الحديث (7).
ومنها : ما رواه ابن بابويه عن أبي جعفر ـ عليه السلام ـ في قول الله عزوجل: (إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا) قال : «ان رهطا من اليهود أسلموا منهم عبد الله بن سلام وأسد وثعلبة وابن يامين وابن صوريا فأتوا النبيّ ـ صلى الله عليه وآله ـ فقالوا : يا نبيّ الله ، إنّ موسى ـ عليه السلام ـ أوصى إلى يوشع بن نون فمن وصيّك يا رسول الله؟ ومن ولينا بعدك؟ فنزلت هذه الآية : إنّما وليّكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون ، قال رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ : قوموا ، فقاموا وأتوا المسجد ، فإذا سائل خارج ، فقال يا سائل ما أعطاك أحد شيئا؟ قال : نعم هذا الخاتم قال : من أعطاكه قال : أعطانيه ذلك الرجل الذي يصلي ، قال : على أي حال أعطاك؟ قال : كان راكعا ، فكبّر النبيّ ـ صلى الله عليه وآله ـ وكبّر أهل المسجد ، فقال النبيّ ـ صلى الله عليه وآله ـ : عليّ وليّكم بعدي. قالوا رضينا بالله ربّا وبالإسلام دينا وبمحمّد ـ صلى الله عليه وآله ـ نبيّا وبعليّ بن أبي طالب وليّا ـ فأنزل الله عزوجل : (وَمَنْ يَتَوَلَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْغالِبُونَ) (8) وبقية الكلام تطلب من المطولات.
وأمّا مفاد نصّ الدار فهو واضح ، ولا كلام فيه ، ويستفاد منه أنّ الدعوة إلى الإمامة مقرونة مع دعوى الرسالة، وهو حاك عن أهمّية الإمامة ، كما أنّه يحكي عن عظمة عليّ ـ عليه السلام ـ مع كونه عند ذلك في حوالي عشر سنوات ، حيث قام بإجابة دعوة الرسول والإيمان به ونصرته مع مخالفة كبراء عشيرة النبيّ ـ صلى الله عليه وآله ـ لدعوته.
_____________
(1) العقائد الحقة : ص 19 ـ 20.
(2) دلائل الصدق : ص 44.
(3) امامت ورهبرى : ص 60 ـ 61.
(4) راجع دلائل الصدق : ج 2 ص 44 ـ 46.
(5) الامامة والولاية : ص 62 ـ 64.
(6) الإمامة والولاية : ص 65 نقلا عن غاية المرام والغدير.
(7) الإمامة والولاية : ص 68.
(8) الامامة والولاية : ص 68.
الاكثر قراءة في امامة الامام علي عليه السلام
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة