0
settings
الوضع الليلي
moon
انماط الصفحة الرئيسية arrow
EN
1
المرجع الالكتروني للمعلوماتية

علم الحديث

تعريف علم الحديث وتاريخه

أقسام الحديث

الجرح والتعديل

الأصول الأربعمائة

الجوامع الحديثيّة المتقدّمة

الجوامع الحديثيّة المتأخّرة

موضوعات عامة

أحاديث وروايات مختارة

الأحاديث القدسيّة

علوم الحديث عند أهل السنّة والجماعة

علم الرجال

تعريف علم الرجال

الحاجة إلى علم الرجال

التوثيقات الخاصة

التوثيقات العامة

موضوعات عامة

أصحاب النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله)

أصحاب الأئمة (عليهم السلام)

العلماء من القرن الرابع إلى القرن الخامس عشر الهجري

قم بتسجيل الدخول اولاً لكي يتسنى لك الاعجاب والتعليق.

شرح الأبيات (257 ــ 262)

المؤلف:  شمس الدين أبو الخير محمد بن عبد الرحمن السخاوي

المصدر:  فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث للعراقي

الجزء والصفحة:  ج2، ص 3 ــ 9

2025-12-03

943

+

-

20

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

مَعْرِفَةُ مَنْ تُقْبَلُ رِوَايَتُهُ وَمَنْ تُرَدُّ

257 - أَجْمَعَ جُمْهُورُ أَئِمَّةِ الْأَثَرْ ... وَالْفِقْهِ فِي قَبُولِ نَاقِلِ الْخَبَرْ

258 - بِأَنْ يَكُونَ ضَابِطًا مُعَدَّلًا ... أَيْ يَقِظًا وَلَمْ يَكُنْ مُغَفَّلًا

259 - يَحْفَظُ إِنْ حَدَّثَ حِفْظًا يَحْوِي ... كِتَابَهُ إِنْ كَانَ مِنْهُ يَرْوِي

260 - يَعْلَمُ مَا فِي اللَّفْظِ مِنْ إِحَالَهْ ... إِنْ يَرْوِ بِالْمَعْنَى وَفِي الْعَدَالَهْ

261 - بِأَنْ يَكُونَ مُسْلِمًا ذَا عَقْلِ ... قَدْ بَلَغَ الْحُلْمَ سَلِيمَ الْفِعْلِ

262 - مِنْ فِسْقٍ أَوْ خَرْمِ مُرُوءَةٍ وَمَنْ ... زَكَّاهُ عَدْلَانِ فَعَدْلٌ مُؤْتَمَنْ

(مَعْرِفَةُ) صِفَةُ (مَنْ تُقْبَلُ رِوَايَتُهُ) مِنْ نَقَلَةِ الْأَخْبَارِ (وَمَنْ تُرَدُّ)، وَمَا الْتَحَقَ بِذَلِكَ [سِوَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ قَبُولِ الضَّعِيفِ إِذَا اعْتُضِدَ، وَالْمُدَلِّسِ إِذَا صَرَّحَ، وَمَا سَيَأْتِي مِنْ قَبُولِ الْمُتَحَمِّلِ فِي حَالِ كُفْرِهِ أَوْ فِسْقِهِ، وَالْأَعْمَى وَنَحْوِهِ، وَالْمُخْتَلِطِ قَبْلَ اخْتِلَاطِهِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ]، وَذِكْرُهُ بَعْدَ مَبَاحِثِ الْمَتْنِ وَمَا الْتَحَقَ بِهِ مُنَاسِبٌ، وَفِيهِ فُصُولٌ:

[مَقْبُولُ الرِّوَايَةِ]: الْأَوَّلُ: (أَجْمَعَ جُمْهُورُ أَئِمَّةِ الْأَثَرْ) أَيِ: الْحَدِيثِ (وَالْفِقْهِ) وَالْأُصُولِ (فِي) أَيْ: عَلَى (قَبُولِ نَاقِلِ الْخَبَرْ) أَيِ: الْحَدِيثِ الْمُحْتَجِّ بِهِ بِانْفِرَادِهِ؛ لِيَخْرُجَ الْحَسَنُ لِغَيْرِهِ، بِشَرْطِ (أَنْ يَكُونَ ضَابِطًا مُعَدَّلًا) أَيْ وَلِكُلٍّ مِنْهُمَا شُرُوطٌ:

[شُرُوطُ الضَّبْطِ]: فَأَمَّا شُرُوطُ أَوَّلِهِمَا الَّذِي تَنْكِيرُهُ شَمِلَ التَّامَّ وَالْقَاصِرَ، فَهِيَ أَنْ يَكُونَ الرَّاوِي (يَقِظًا) بِضَمِّ الْقَافِ وَكَسْرِهَا (وَ) ذَلِكَ بِأَنْ (لَمْ يَكُنْ مُغَفَّلًا) لَا يُمَيِّزُ الصَّوَابَ مِنَ الْخَطَأِ؛ كَالنَّائِمِ وَالسَّاهِي؛ إِذِ الْمُتَّصِفُ بِهَا لَا يَحْصُلُ الرُّكُونُ إِلَيْهِ، وَلَا تَمِيلُ النَّفْسُ إِلَى الِاعْتِمَادِ عَلَيْهِ، وَأَنْ يَكُونَ (يَحْفَظُ) أَيْ: يُثْبِتُ مَا سَمِعَهُ فِي حِفْظِهِ بِحَيْثُ يَبْعُدُ زَوَالُهُ عَنِ الْقُوَّةِ الْحَافِظَةِ، وَيَتَمَكَّنُ مِنَ اسْتِحْضَارِهِ مَتَى شَاءَ.

(إِنْ حَدَّثَ حِفْظًا) أَيْ: مِنْ حِفْظِهِ (وَيَحْوِي كِتَابَهُ) أَيْ: يَحْتَوِي عَلَيْهِ [بِنَفْسِهِ أَوْ بِثِقَةٍ] ، وَيَصُونُهُ عَنْ تَطَرُّقِ التَّزْوِيرِ وَالتَّغْيِيرِ إِلَيْهِ، مِنْ حِينِ سَمِعَ فِيهِ إِلَى أَنْ يُؤَدِّيَ (إِنْ كَانَ مِنْهُ يَرْوِي) ، وَأَنْ يَكُونَ (يَعْلَمُ مَا فِي اللَّفْظِ مِنْ إِحَالَهْ)، بِحَيْثُ يُؤْمَنُ مِنْ تَغْيِيرِ مَا يَرْوِيهِ (إِنْ يَرْوِ بِالْمَعْنَى) وَلَمْ يُؤَدِّ الْحَدِيثَ كَمَا سَمِعَهُ بِحُرُوفِهِ، عَلَى مَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ فِي بَابِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ.

وَهَذِهِ الشُّرُوطُ مَوْجُودَةٌ فِي كَلَامِ الشَّافِعِيِّ فِي الرِّسَالَةِ صَرِيحًا إِلَّا الْأَوَّلَ، فَيُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ: "أَنْ يَكُونَ عَاقِلًا لِمَا يُحَدِّثُ بِهِ "لِقَوْلِ ابْنِ حِبَّانَ: "هُوَ أَنْ يَعْقِلَ مِنْ صِنَاعَةِ الْحَدِيثِ مَا لَا يَرْفَعُ مَوْقُوفًا، وَلَا يَصِلُ مُرْسَلًا، أَوْ يُصَحِّفُ اسْمًا، فَهَذَا كِنَايَةٌ عَنِ الْيَقَظَةِ".

وَقَدْ ضَبَطَ ابْنُ الْأَثِيرِ الضَّبْطَ فِي مُقَدِّمَةِ جَامِعِهِ [بِمَا لَمْ يَتَقَيَّدُوا بِهِ] فَقَالَ: " هُوَ عِبَارَةٌ عَنِ احْتِيَاطٍ فِي بَابِ الْعِلْمِ، وَلَهُ طَرَفَانِ: الْعِلْمُ عِنْدَ السَّمَاعِ، وَالْحِفْظُ بَعْدَ الْعِلْمِ عِنْدَ التَّكَلُّمِ، حَتَّى إِذَا سَمِعَ وَلَمْ يَعْلَمْ لَمْ يَكُنْ مُعْتَبَرًا، كَمَا لَوْ سَمِعَ صِيَاحًا لَا مَعْنَى لَهُ، وَإِذَا لَمْ يَفْهَمِ اللَّفْظَ بِمَعْنَاهُ لَمْ يَكُنْ ضَبْطًا، وَإِذَا شَكَّ فِي حِفْظِهِ بَعْدَ الْعِلْمِ وَالسَّمَاعِ لَمْ يَكُنْ ضَبْطًا ".

[نَوْعَا الضَّبْطِ] قَالَ: " ثُمَّ الضَّبْطُ نَوْعَانِ: ظَاهِرٌ وَبَاطِنٌ، فَالظَّاهِرُ ضَبْطُ مَعْنَاهُ مِنْ حَيْثُ اللُّغَةِ، وَالْبَاطِنُ ضَبْطُ مَعْنَاهُ مِنْ حَيْثُ تَعَلُّقِ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ بِهِ، وَهُوَ الْفِقْهُ، وَمُطْلَقُ الضَّبْطِ الَّذِي هُوَ شَرْطٌ فِي الرَّاوِي هُوَ الضَّبْطُ ظَاهِرًا عِنْدَ الْأَكْثَرِ ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ نَقْلُ الْخَبَرِ بِالْمَعْنَى، فَيَلْحَقُهُ تُهْمَةُ تَبْدِيلِ الْمَعْنَى بِرِوَايَتِهِ قَبْلَ الْحِفْظِ، أَوْ قَبْلَ الْعِلْمِ حِينَ سَمِعَ، وَلِهَذَا الْمَعْنَى قَلَّتِ الرِّوَايَةُ عَنْ أَكْثَرِ الصَّحَابَةِ ؛ لِتَعَذُّرِ هَذَا الْمَعْنَى ". قَالَ: " وَهَذَا الشَّرْطُ وَإِنْ كَانَ عَلَى مَا بَيَّنَّا، فَإِنَّ أَصْحَابَ الْحَدِيثِ قَلَّمَا يَعْتَبِرُونَهُ فِي حَقِّ الطِّفْلِ دُونَ الْمُغَفَّلِ؛ فَإِنَّهُ مَتَى صَحَّ عِنْدَهُمْ سَمَاعُ الطِّفْلِ أَوْ حُضُورُهُ أَجَازُوا رِوَايَتَهُ. وَالْأَوَّلُ أَحْوَطُ لِلدِّينِ وَأَوْلَى " انْتَهَى.

[وَحَاصِلُهُ اشْتِرَاطُ كَوْنِ سَمَاعِهِ عِنْدَ التَّحَمُّلِ تَامًّا]، فَيَخْرُجُ مَنْ سَمِعَ صَوْتَ غَفْلٍ، وَكَوْنُهُ حِينَ التَّأْدِيَةِ عَارِفًا بِمَدْلُولَاتِ الْأَلْفَاظِ، وَلَا انْحِصَارَ لَهُ فِي الثَّانِي عِنْدَ الْجُمْهُورِ؛ لِاكْتِفَائِهِمْ بِضَبْطِ كِتَابِهِ، وَلَا فِي الْأَوَّلِ عِنْدَ الْمُتَأَخِّرِينَ خَاصَّةً؛ لِاعْتِدَادِهِمْ بِسَمَاعِ مَنْ لَا يَفْهَمُ الْعَرَبِيَّ أَصْلًا كَمَا سَيَأْتِي كُلُّ ذَلِكَ.

وَقَوْلُهُ: " لِتَعَذُّرِ هَذَا الْمَعْنَى “؛ أَيْ: عِنْدَ ذَاكَ الصَّحَابِيِّ نَفْسِهِ؛ لِخَوْفِهِ مِنْ عَدَمِ حِفْظِهِ وَعَدَمِ تَمَكُّنِهِ فِي الْإِتْيَانِ بِكُلِّ الْمَعْنَى، وَهَذَا مِنْهُمْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ تَوَرُّعٌ وَاحْتِيَاطٌ، وَلَقَدْ كَانَ بَعْضُهُمْ تَأْخُذُهُ الرَّعْدَةُ إِذَا رَوَى، وَيَقُولُ: وَنَحْوَ ذَا أَوْ قَرِيبٌ مِنْ ذَا، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ].

[شُرُوطُ الْعَدَالَةِ]: (وَ) أَمَّا الشُّرُوطُ (فِي الْعَدَالَةِ) [الْمُتَّصِفُ بِهَا الْمُعَدَّلُ]، وَضَابِطُهَا إِجْمَالًا أَنَّهَا مَلَكَةٌ تَحْمِلُ عَلَى مُلَازَمَةِ التَّقْوَى وَالْمُرُوءَةِ، وَالْمُرَادُ بِالتَّقْوَى اجْتِنَابُ الْأَعْمَالِ السَّيِّئَةِ مِنْ شِرْكٍ أَوْ فِسْقٍ أَوْ بِدْعَةٍ، فَهِيَ خَمْسَةٌ (بِأَنْ) أَيْ: أَنْ (يَكُونَ مُسْلِمًا) بِالْإِجْمَاعِ (ذَا عَقْلٍ)، فَلَا يَكُونُ مَجْنُونًا، سَوَاءٌ الْمُطْبِقُ وَالْمُتَقَطِّعُ إِذَا أَثَّرَ فِي الْإِفَاقَةِ.

(قَدْ بَلَغَ الْحُلْمَ) بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ اللَّامِ ؛ أَيِ: الْإِنْزَالَ فِي النَّوْمِ، وَالْمُرَادُ الْبُلُوغُ بِهِ أَوْ بِنَحْوِهِ كَالْحَيْضِ، أَوْ بِاسْتِكْمَالِ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً ؛ إِذْ هُوَ مَنَاطُ التَّكْلِيفِ (سَلِيمَ الْفِعْلِ مِنْ فِسْقٍ) ، وَهُوَ ارْتِكَابُ كَبِيرَةٍ أَوْ إِصْرَارٌ عَلَى صَغِيرَةٍ (أَوْ) أَيْ: وَسَلِيمَ الْفِعْلِ مِنْ (خَرْمِ مُرُوَءَةٍ) ، عَلَى أَنَّهُ قَدِ اعْتُرِضَ عَلَى ابْنِ الصَّلَاحِ فِي إِدْرَاجِهِ آخِرَهَا فِي الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: إِنَّهُ لَمْ يَشْرُطْهَا، فِيمَا ذَكَرَ الْخَطِيبُ وَغَيْرُهُ، سِوَى الشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِهِ، لَكِنَّهُ مَرْدُودٌ بِأَنَّ الْعَدَالَةَ لَا تَتِمُّ عِنْدَ كُلِّ مَنْ شَرَطَهَا - وَهُمْ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ - بِدُونِهَا، بَلْ مَنْ لَمْ يَشْرُطْ مَزِيدًا عَلَى الْإِسْلَامِ، وَاكْتَفَى بِعَدَمِ ثُبُوتِ مَا يُنَافِي الْعَدَالَةَ، وَأَنَّ مَنْ ظَهَرَ مِنْهُ مَا يُنَافِيهَا لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ وَلَا رِوَايَتُهُ، قَدْ لَا يُنَافِيهِ.

نَعَمْ، قَدْ حَقَّقَ الْمَاوَرْدِيُّ أَنَّ الَّذِي تَجَنَّبَهُ مِنْهَا شَرْطٌ فِي الْعَدَالَةِ، وَارْتِكَابُهُ مُفْضٍ إِلَى الْفِسْقِ: مَا سَخُفَ مِنَ الْكَلَامِ الْمُؤْذِي وَالضَّحِكِ، وَمَا قَبُحَ مِنَ الْفِعْلِ الَّذِي يَلْهُو بِهِ وَيُسْتَقْبَحُ بِمَعَرَّتِهِ، كَنَتْفِ اللِّحْيَةِ وَخِضَابِهَا بِالسَّوَادِ، وَكَذَا الْبَوْلُ قَائِمًا، يَعْنِي فِي الطَّرِيقِ، وَبِحَيْثُ يَرَاهُ النَّاسُ، وَفِي الْمَاءِ الرَّاكِدِ، وَكَشْفُ الْعَوْرَةِ إِذَا خَلَا، وَالتَّحَدُّثُ بِمَسَاوِئِ النَّاسِ.

وَأَمَّا مَا لَيْسَ بِشَرْطٍ فَكَعَدَمِ الْإِفْضَالِ بِالْمَاءِ وَالطَّعَامِ، وَالْمُسَاعَدَةِ بِالنَّفْسِ وَالْجَاهِ، وَكَذَا الْأَكْلُ فِي الطَّرِيقِ، وَكَشْفُ الرَّأْسِ بَيْنَ النَّاسِ، وَالْمَشْيُ حَافِيًا، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ هَذَا مَنْشَأَ الِاخْتِلَافِ، وَلَكِنْ فِي بَعْضِ مَا ذَكَرَهُ مِنَ الشِّقَّيْنِ نَظَرٌ.

وَمَا أَحْسَنَ قَوْلَ الزِّنْجَانِيِّ فِي شَرْحِ (الْوَجِيزِ): " الْمُرُوءَةُ يُرْجَعُ فِي مَعْرِفَتِهَا إِلَى الْعُرْفِ، فَلَا تَتَعَلَّقُ بِمُجَرَّدِ الشَّرْعِ، وَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ الْأُمُورَ الْعُرْفِيَّةَ قَلَّمَا تُضْبَطُ، بَلْ هِيَ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَشْخَاصِ وَالْبُلْدَانِ، فَكَمْ مِنْ بَلَدٍ جَرَتْ عَادَةُ أَهْلِهِ بِمُبَاشَرَةِ أُمُورٍ لَوْ بَاشَرَهَا غَيْرُهُمْ لَعُدَّ خَرْمًا لِلْمُرُوءَةِ.

وَفِي الْجُمْلَةِ رِعَايَةُ مَنَاهِجِ الشَّرْعِ وَآدَابِهِ، وَالِاهْتِدَاءُ بِالسَّلَفِ، وَالِاقْتِدَاءُ بِهِمْ أَمْرٌ وَاجِبُ الرِّعَايَةِ ". قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: " وَكَأَنَّهُ يُشِيرُ بِذَلِكَ إِلَى أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ سِيرَةَ مُطْلَقِ النَّاسِ، بَلِ الَّذِينَ يُقْتَدَى بِهِمْ "، وَهُوَ كَمَا قَالَ، ثُمَّ إِنَّ اشْتِرَاطَ الْبُلُوغِ مِنَ الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ، وَإِلَّا فَقَدْ قَبِلَ بَعْضُهُمْ رِوَايَةَ الصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ الْمَوْثُوقِ بِهِ، وَلِذَا كَانَ فِي الْمَسْأَلَةِ لِأَصْحَابِنَا وَجْهَانِ، قَيَّدَهُمَا الرَّافِعِيُّ وَتَبِعَهُ النَّوَوِيُّ بِالْمُرَاهِقِ، مَعَ وَصْفِ النَّوَوِيِّ لِلْقَبُولِ بِالشُّذُوذِ.

وَقَالَ الرَّافِعِيُّ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: " وَفِي الصَّبِيِّ بَعْدَ التَّمْيِيزِ وَجْهَانِ كَمَا فِي رِوَايَةِ أَخْبَارِ الرَّسُولِ، وَاخْتَصَرَهُ النَّوَوِيُّ بِالصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ، وَلَا تَنَاقُضَ، فَمَنْ قَيَّدَ بِالْمُرَاهِقِ عَنَى الْمُمَيِّزَ، وَالصَّحِيحُ عَدَمُ قَبُولِ غَيْرِ الْبَالِغِ، وَهُوَ الَّذِي حَكَاهُ النَّوَوِيُّ عَنِ الْأَكْثَرِينَ.

وَحَكَى فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ تَبَعًا لِلْمُتَوَلِّي عَنِ الْجُمْهُورِ - قَبُولَ أَخْبَارِ الصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ فِيمَا طَرِيقُهُ الْمُشَاهَدَةُ، بِخِلَافِ مَا طَرِيقُهُ النَّقْلُ؛ كَالْإِفْتَاءِ وَرِوَايَةِ الْأَخْبَارِ وَنَحْوِهِ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ شَيْخُنَا بِقَوْلِهِ: " وَقَبِلَ الْجُمْهُورُ أَخْبَارَهُمْ إِذَا انْضَمَّتْ إِلَيْهَا قَرِينَةٌ " انْتَهَى.

أَمَّا غَيْرُ الْمُمَيِّزِ فَلَا يُقْبَلُ قَطْعًا، وَكَذَا لَمْ يَشْتَرِطُوا فِي عَدْلِ الرِّوَايَةِ الْحُرِّيَّةَ، بَلْ أَجْمَعُوا - كَمَا حَكَاهُ الْخَطِيبُ - عَلَى قَبُولِ رِوَايَةِ الْعَبْدِ بِالشُّرُوطِ الْمَذْكُورَةِ، وَأَجَازَ شَهَادَتَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ السَّلَفِ، وَلَكِنَّ الْجُمْهُورَ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى خِلَافِهِ، وَهُوَ مِمَّا افْتَرَقَا فِيهِ كَمَا افْتَرَقَا فِي مَسْأَلَةِ التَّزْكِيَةِ الْآتِيَةِ بَعْدُ، وَقَدْ نَظَمَ ذَلِكَ شَيْخُنَا فَقَالَ:

الْعَدْلُ مِنْ شَرْطِهِ الْمُرُوءَةُ وَالْ ... إِسْلَامُ وَالْعَقْلُ وَالْبُلُوغُ مَعًا

يُجَانِبُ الْفِسْقَ رَاوِيًا وَمَتَى ... يَشْهَدُ فَحُرِّيَّةٌ تُضَفْ تَبَعَا

وَلَا الذُّكُورَةُ، خِلَافًا لِمَا نَقَلَهُ الْمَاوَرْدِيُّ فِي الْحَاوِي عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ قَالَ: وَاسْتَثْنَى أَخْبَارَ عَائِشَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ، وَأَمَّا مَنْ شَرَطَ فِي الرِّوَايَةِ الْعَدَدَ كَالشَّهَادَةِ، فَهُوَ قَوْلٌ شَاذٌّ مُخَالِفٌ لِمَا عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ، وَكَمَا أَسْلَفْتُهُ فِي مَرَاتِبِ الصَّحِيحِ، بَلْ تُقْبَلُ رِوَايَةُ الْوَاحِدِ إِذَا جَمَعَ أَوْصَافَ الْقَبُولِ، وَأَدِلَّةُ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ شَهِيرَةٌ.

أَوْ كَوْنُ الرَّاوِي فَقِيهًا عَالِمًا كَأَبِي حَنِيفَةَ؛ حَيْثُ شَرَطَ فِقْهَ الرَّاوِي إِنْ خَالَفَ الْقِيَاسَ وَغَيْرَهُ، حَيْثُ قَصَرَهُ عَلَى الْغَرِيبِ.

فَكُلُّهُ خِلَافُ مَا عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ، وَحُجَّتُهُمْ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات: 6]، فَمُقْتَضَاهُ أَنْ لَا يُتَثَبَّتَ فِي غَيْرِ خَبَرِ الْفَاسِقِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ عَالِمًا.

وَفِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ [وآله] وَسَلَّمَ: «نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مَقَالَتِي فَوَعَاهَا» الْحَدِيثَ، أَقْوَى دَلِيلٍ عَلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ [وآله] وَسَلَّمَ لَمْ يُفَرِّقْ، بَلْ صَرَّحَ بِقَوْلِهِ: «فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ غَيْرِ فَقِيهٍ، وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ».

وَكَذَا مَنْ شَرَطَ عَدَمَ عَمَاهُ، أَوْ كَوْنَهُ مَشْهُورًا بِسَمَاعِ الْحَدِيثِ، أَوْ مَعْرُوفَ النَّسَبِ، أَوْ أَنْ لَا يُنْكِرَ رَاوِي الْأَصْلِ رِوَايَةَ الْفَرْعِ عَنْهُ عَلَى وَجْهِ النِّسْيَانِ أَيْضًا.

[مَا تُعْرَفُ بِهِ الْعَدَالَةُ]: الثَّانِي: فِيمَا تُعْرَفُ بِهِ الْعَدَالَةُ مِنْ تَزْكِيَةٍ وَغَيْرِهَا (وَمَنْ زَكَّاهُ) أَيْ: عَدَّلَهُ فِي رِوَايَتِهِ (عَدْلَانِ فَهُوَ عَدْلٌ مُؤْتَمَنٌ) بِفَتْحِ الْمِيمِ؛ أَيِ: اتِّفَاقًا.

 

 

 

لا توجد تعليقات بعد

ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى

اخر الاخبار

اشترك بقناتنا على التلجرام ليصلك كل ما هو جديد