من الطبيعيّ أنه لا بدّ أن يُعلم بأنّ الحشد الغفير الذي تحرّك مع رسول الله من مكّة كان مركّباً من أهل المدينة خاصّة والقرى المجاورة لها؛ وازداد عددهم بمن جاء من سائر الأماكن كاليمن. وجاء أمير المؤمنين عليه السلام مع أبي موسى الأشعريّ[1] من اليمن، والتحقا برسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم في مكّة.
وتوضيح ذلك: أنّ رسول الله بعث خالد بن الوليد إلى أهل اليمن، يدعوهم إلى الإسلام. فأقام خالد مع جيشه ستّة أشهر يدعوهم إلى الإسلام فلم يجيبوه.[2]
إلى أن بعث رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم أمير المؤمنين عليه السلام إليهم مع ثلاثمائة نفر، وعقد له لواءً، وعمّمه بعمامة لها ثلاث ذوائب معلّقة من طرفين، من الأمام بمقدار ذراع، ومن الخلف بمقدار شبر؛[3] وقال له: إذا بلغت ذلك المكان فاعقل خالداً! فإن أراد أحد ممّن كان مع خالد أن يعقب معه فاتركه. ولا تبدأ أهل اليمن بقتال إلّا إذا بدءوك به!
وكان هذا أوّل جيش يدخل بلاد مَذْحِجْ على هذا النسق من ناحية نَجْرَان.[4] وفرّق أمير المؤمنين عليه السلام الجيش لأخذ الخمس والغنائم، وجمع مقداراً من الغنائم، واستخلف على الغنائم بُرَيْدَةَ بْنَ الْحُصَيْب الأسْلَمِيّ؛[5] ثمّ دعاهم إلى الإسلام؛ فأبوا، وبدءوا بالرمي وقذف الحجارة.
فنظّم الإمام جيشه، وسلّم مَسْعُود بن سَنَان السُّلَّمِيّ لواءه؛ وحمل عليهم فقتل منهم عشريناً وهزم الباقين.
ولم يلاحق الفارّين، بل دعاهم إلى الإسلام، فأجابوا مسرعين وبايعوه. وأسلمت قبيلة هَمْدان بدون قتال، واستجابت كلّها بمجرّد أن قرأ عليهم أمير المؤمنين كتاب رسول الله.
وكتب الإمام إلى رسول الله في إسلام هَمْدان. فلمّا بلغه ذلك سجد للّه شكراً وقال ثلاثاً: السَّلَامُ على هَمْدان؛ ثمّ تتابع أهل اليمن على الإسلام عقيب إسلام قبيلة هَمْدان.[6]
ثمّ أقرع أمير المؤمنين عليه السلام لأخذ الخمس من الغنائم؛ وهكذا قسّمت الغنائم إلى خمسة أقسام. وكتب على سهم أنه سَهْم الله. ولمّا أقرع، كان سهم الخمس أوّل ما خرج من السهام، فختمه الإمام ليوصله إلى النبيّ؛ ثمّ وزّع بقيّة الغنائم وهي أربعة أخماس بين أصحابه وجنوده.
وجاء في «الإرشاد» للمفيد، و«علل الشرائع» للصدوق أو «التفسير المنسوب إلى الإمام العسكريّ»: كاتب [رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم] أمير المؤمنين عليه السلام بالتوجّه إلى الحجّ من اليمن. ولم يذكر له نوع الحجّ الذي قد عزم عليه [7]
وقسّم عليّ [عليه السلام] على أصحابه بقيّة المغنم، ثمّ قفل [راجعاً من اليمن مع عسكره وسهم الخُمس من الغنيمة قاصدين مكّة، فأحرموا في الطريق] فوافى النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم بمكّة.[8]
وكانت حركة النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم من المدينة بعد صلاة الظهر يوم السبت الخامس والعشرين من ذي القعدة؛ لأنّه- وفقاً للروايات الكثيرة- تحرّك لِخَمْسٍ بَقينَ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ.[9] هذا أوّلًا، وثانياً: من الثابت أنّ اليوم الأوّل من شهر ذي الحجّة كان يوم الخميس، لإجماعهم على أنّ يوم عرفة الذي خطب فيه رسول الله على جبل عرفات كان يوم الجمعة على نحو اليقين؛ لذلك فإنّ الأيّام الخمسة الباقية ليوم الخميس وهو الأوّل من ذي الحجّة تدلّ على أنه سيكون يوم السبت. وغاية الأمر أنه لا يمكن أن يكون شهر ذي القعدة ثلاثين يوماً وذلك أنّ يوم السبت سيكون اليوم السادس والعشرين، وفي روايات أنه اليوم الخامس والعشرون. ولا يمكن أن نقول إنّ خروج رسول الله من المدينة كان يوم الجمعة. لأنّ الروايات المأثورة عن أنس بن مالك تفيد أنه صلّى الله عليه وآله وسلّم صلّى الظهر بالمدينة أربعاً. ولمّا كانت صلاة الظهر يوم الجمعة تقام مع الخطبتين، لذلك لا يمكن أن تكون أربع ركعات؛ ومن جهة اخرى، لا يمكن أن يكون خروج رسول الله في يوم الخميس، لأنّه في مثل هذه الحالة ستبقى ستّ ليال من شهر ذي القعدة، لا خمس؛ وأمّا يوم السبت فقط فإنّه يدلّ على أنّ خمسة أيّام بقيت لآخر الشهر.
[1] «سيرة زيني دحلان» في هامش «السيرة الحلبيّة»، ج 3، ص 4.
[2] «البداية والنهاية» طبعة مصر، مطبعة السعادة، سنة 1351 هـ، ج 5، ص 105.
[3] «روضة الصفا» الطبعة الحجريّة ج 2، وقائع السنة العاشرة للهجرة، ذكر توجّه أمير المؤمنين وترجمته؛ و«حبيب السِّيَر» طبعة الحيدريّ، ج 1، ص 408.
[4] جاء في «سيرة ابن هشام» طبعة مصر، سنة 1383 هـ، مطبعة المدني، ج 4، ص 109 قوله: وبَعَثَ عَلِيّ بْنَ أبِي طَالِبٍ رضوان الله عليه إلَى أهْلِ نَجْرَانَ لِيَجْمَعَ صَدَقَتَهُمْ، ويَقْدم عَلَيهِ بِجِزْيَتِهِمْ. وذكر الطبريّ هذه العبارة بتفاوت يسير في اللفظ في تأريخه، ج 3، طبعة دار المعارف بمصر الطبعة الثانية، ص 147. و«السيرة الحلبيّة» طبعة مصر، سنة 1353 هـ، ج 3، 232 و233.
[5] بُرَيْدَة بن حُصَيْب الأسلميّ، رئيس وفد طائفة أسلم الذين وفدوا على النبيّ. «تاريخ اليعقوبيّ» طبعة بيروت، سنة 1379 هـ، ج 2، 79.
[6] «الكامل في التاريخ» طبعة بيروت سنة 1385 هـ، لابن الأثير، ج 2 ص 300؛ و«الإرشاد» للمفيد، الطبعة الحجريّة، ص 33؛ و«إعلام الوري» طبعة المطبعة الحيدريّ، طهران، ص 137.
[7] «بحار الأنوار» طبعة كمباني، ج 6، ص 663.
[8] «الطبقات الكبرى» لابن سعد، طبعة دار بيروت سنة 1405 هـ، ج 2، ص 169 و170.
[9] «تاريخ الطبريّ» طبعة مصر، مطبعة دار المعارف، ج 3، ص 148؛ و«سيرة ابن هشام» طبعة مصر، 1383 هـ، ج 4، ص 1020؛ و«الطبقات» لابن سعد، طبعة دار بيروت، ج 2، ص 173؛ و«السيرة الحلبيّة» طبعة مصر، سنة 1353، ج 3، ص 289؛ و«البداية والنهاية» طبعة مصر، مطبعة السعادة، سنة 1351 الطبعة الاولى، ج 5، ص 111.