ينبغي أن يعلم أنّ الحجّ والعمرة كانا عملين مستقلّين حتّى ذلك الحين. فالحجّ هو عبارة عن الإحرام من الميقات، والوقوف في عرفات، والمشعر، ومناسك منى، والطواف حول الكعبة، والسعي بين الصفا والمروة. وتجري هذه الأعمال في أشهر خاصّة. {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ}. ومن أحرم للحجّ في غير هذه الأشهر فحجّه باطل.
والعُمْرَة عبارة عن الإحرام من الميقات، والطواف حول بيت الله الحرام، والصلاة، والسعي بين الصفا والمروة، والحَلْق أو التقصير. وليس لهذه الأعمال وقت معيّن. بل هي في كلّ وقت من السنة، وليس لها يوم أو ليلة معيّنة.
ولمّا كان الحجّ فريضة أوجبها الله على المسلمين لقوله: {وَ لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا}.[1] لذلك يجب على كلّ متمكّن أن يحرم للحجّ في أحد أشهره: شَوَّال، وذي القعدة حتّى الثامن من ذي الحجّة. ويأتي عَرَفات ظهر يوم التاسع، ويؤدّي مناسك الحجّ.
وعلى كلّ من كان متمكّنا من العُمْرَة- طيلة السنة- أن يقوم بها في حينها، فيحرم من الميقات، ويأتي مكّة، ويعتمر. ومن الطبيعيّ أنّ العمرة عمل يسير نوعاً ما نسبيّاً، لأنّ الإحرام من الميقات، ودخول مكّة، والبقاء بالإحرام في مكّة لعدّة ساعات حتّى تتمّ العمرة ليس عملًا عسيراً إلى حدّ ما.
إلّا أنّ الحجّ عمل عسير جدّاً، لأنّ من يحرم للحجّ، ليس له أن يحلّ من إحرامه إلّا أن ينحر في منى يوم عيد الأضحى، ويحلق، ويطوف. وهذا يتطلّب وقتاً، واستمراراً في الإحرام مدّة مديدة. إذ كما نعلم أنّ من نوى الحجّ، فله أن يحرم من الميقات في الأوّل من شوّال وهو عيد الفطر، ويأتي مكّة؛ وبعد دخوله مكّة وطوافه، وصلاته، وسعيه، فليس له أن يحلق ويقصر، بل يبقى في لباس الإحرام. مبتعداً عن النساء، وعن كلّ مُحَرَّم. ويصبر على هذه الحالة حتّى تمضي عرفة والمشعر، ويحلّ يوم الأضحى؛ وله عند ذلك أن يحلّ من إحرامه، ويتمّ حلّه بالطواف في مكّة ولعلّه يبقى محرماً سبعين يوماً. وهذا عمل عسير جدّاً لا سيّما لمن كان مسافراً وفي أجواء مكّة الحارّة، وهي حارّة في أغلب الأوقات.
إنّه تكليف شاقّ في الدين الإسلاميّ المقدّس الذي لم تشيّد الأعمال والتكاليف فيه على أساس صعب وعسير. ومن جهة اخرى فإنّ البقاء في الإحرام سبعين يوماً عمل شاق ومحرج ولا سيّما بالنسبة إلى الشباب الذين تتّقد عندهم الغريزة الجنسيّة في الجوّ الحارّ، فيشعرون بالحاجة إلى المواقعة، ولعلّهم لا يطيقون ذلك فينفد صبرهم. ولعلّ الذين ذهبوا إلى الحجّ مع زوجاتهم، وكانوا محرمين اضطرّوا إلى المواقعة، فيبطل حجّهم وتجب عليهم الكفّارة. وربّما كانوا وحدهم فالتجأوا إلى الزنا لا سمح الله، وعندئذٍ ينقلب هذا العمل الروحيّ وهذه الفريضة التي تمتّع الروح وتفيض بالنور إلى عمل شيطانيّ، إذ يبتلي الإنسان بإبليس الظلمة الشهوانيّة، ممّا يدعو إلى الكآبة والبؤس والظلمة.
ولعلّ هناك أسباباً خفيّة علينا، لا نعلمها، الله ورسوله أعلم بها، دعت إلى تكليف رسول الله أن يُدخل الحجّ في العمرة لغير أهل الحرم والقرى القريبة من مكّة، ويجعلها عملًا واحداً، إذ إنّ الذين يحرمون من الميقات في حجّهم الواجب لا يحرمون بنيّة الحجّ بل بنيّة العمرة، ويلبّون. ثمّ يأتون مكّة، ويؤدّون عمرتهم التي لا تستغرق بضع ساعات. ويبقون بدون إحرام حتّى اليوم الثامن من ذي الحجّة، وهو يوم التحرّك إلى منى وعرفاتُ. وفي هذه الحالة يحرمون من مكّة بقصد الحجّ ويلبّون، ويذهبون إلى عرفات، والمشعر، ومنى، ويؤدّون مناسكهم، وحينئذ يعتمرون ويحجّون في آن واحد. وفي الوقت نفسه فإنّ زمان الإحرام، الذي يسبّب حرجاً، لا يستغرق كثيراً. ذلك لأنّ العمرة هي السير من الميقات إلى مكّة، ولا تستدعي إلّا وقتاً قليلًا. أمّا الحجّ فهو من اليوم التاسع إلى اليوم الثاني عشر الذي تنتهي فيه المناسك. وليس هذا وقتاً طويلًا، ويقال له: حجّ التمتّع؛ لأنّ الحاجّ يستطيع بعد الفراغ من عمرته وحل إحرامه أن يلامس النساء ويفعل سائر محرّمات إلى أن يحين وقت الحجّ. على عكس الحجّ الذي يحرم فيه من الميقات وتؤدّي فيه فريضة الحجّ فقط. ويقال لهذا الحجّ: حَجّ الإفراد إذا لم يكن فيه هدي؛ وحَجّ القِرَان إذا كان مع الحاجّ هدي للنحر. أمّا العمرة التي تؤدّي وحدها، ولا يعقبها حجّ، فهي عُمْرة مُفرَدَةَ.
لقد تحرّك رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم في ذلك السفر قاصداً الحجّ، وتحرّك المؤمنون والمؤمنات معه قاصدين الحجّ. وكُتب إلى الأمصار والولايات بعزم رسول الله على الحجّ. وقد كَتب صلّى الله عليه وآله وسلّم إلى أمير المؤمنين عليه السلام وكان قد بعثه بمهمّةٍ إلى اليمن، يخبره بعزمه على الحجّ، وليس هناك حديث عن العمرة، ولم يخطر ذلك ببال أحد. فالكلّ تقاطروا على مكّة قاصدين الحجّ وملبّين.[2]
ولكن كما رأينا فإنّ رسول الله أمر كلّ من جاء بالهدي أن يبقى بنيّة الحجّ، ويلبّي. وكان ذلك في «سَرِف» على بعد ستّة أميال عن مكّة، وأمّا الذي لم يأت بهدي فإنّه يلبّي بقصد العُمْرَة بدل الحجّ.
[1] الآية 196، من السورة 2: البقرة.
[2] جاء في «فروعِ الكافي» ج 4، ص 248 و249 عن الحَلَبيّ، عن الإمام الصادق عليه السلام: "وَ أحْرَمَ النَّاسُ كُلُّهُمْ بِالْحَجِّ لَا يَنْوُونَ عُمْرَةً ولَا يَدْرُونَ مَا الْمُتْعَةُ" (الحديث)