كان من الطبيعي مع ظهور طبقة بورجوازية تجارية عملها الأساسي نقل المتاجر بين الجهات والبلاد، أن تنشأ الحاجة إلى تحسين وسائل المواصلات، ولما كانت الملاحة البحرية أداة مهمة من أدوات المواصلات، فسرعان ما أحرزت تقدما ملموسا.
فقد تم الاهتداء إلى آلات نافعة مثل البوصلة أو الإبرة المغناطيسية والإسطرلاب وهو آلة تستخدم في تقدير المسافات وتبين اتجاه السفينة وهي في أعالي البحار.
كما تقدمت صناعة السفن في تصميمها، فحسن البرتغاليون من صنع السفينة الكرافيل حتى بلغوبها حد الإتقان، وهي سفينة سريعة خفيفة محكمة الصنع قوية البناء، قادرة على السير قريبا جدا من الشاطئ وعلى اختراق المستنقعات الساحلية، كما حسنوا صناعة الغلايين، وهي سفن ثقيلة البناء بطيئة الحركة تستطيع حمل المدافع.
ويفضل هذا التقدم تجاسرت السفن على شق البحر في كثير من الجرأة والاطمئنان، بعد أن كانت تلتزم بالسير قرب الشاطئ خوفا من الغرق أو أن تضل الطريق وسط البحار. وكان ذلك أساس الكشف الجغرافي الذي لم يكن من الممكن أن يتم بدونه.
ويتصل بالملاحة البحرية التقدم الذي طرأ على علم الجغرافيا، وقد اعتمد الأوروبيون فى ذلك على ما كتبه الجغرافيون القدامى خاصة كلاوديوس بطلميوس Claudius Ptolemaeus الذي كانت مؤلفاته عن الجغرافيا والفلك قد نقلت إلى اللاتينية عن العربية. ولم يأت النصف الأول من القرن الرابع عشر حتى كانت أوروبا تملك خرائط مفصلة ودقيقة لكثير من بقاع الأرض.
وكان من أشهر الجغرافيين وراسمي الخرائط رجل من الفلاندر يدعى جيراردوس ميركاتور Gerardus Mercator (1512- 1594م) أطلق اسمه على طريقة رسم الخرائط التي تمثل فيها خطوط الطول والعرض بخطوط مستقيمة متوازية بدلا من خطوط منحنية تلتقي عند القطبين وهي طريقة الإسقاط المركاتوري Mer cator Projection.
وبتقدم علم الجغرافيا تقدمت نواحي المعرفة التي تتصل بهذا العلم مثل النبات والحيوان والمعادن، كما تقدم علم الفلك، وأمكن التوصل إلى حقائق فلكية جديدة.
فقد أثبت كوبرنيكوس Copernicus (1473 - 1543م)، العالم البولندي، أن الشمس مركز تدور حوله الأرض وبقية الكواكب، وأن حركة الشمس والكواكب ماهي إلا حركة ظاهرية منشؤها دوران الأرض حول نفسها مرة كل يوم. وكانت النظرية الفلكية القديمة السائدة في العصور الوسطى، وهي نظرية كلاوديوس بطلميوس تقوم على العكس اذ كانت تعتقد أن الأرض هي المركز والشمس والكواكب تدور حولها.
وقد أيد جاليليو Galileo (1564 - 1642م) الذي كان أول من استعمل المنظار في رصد الكواكب رأى كوبرنيكوس، ووصل إلى عدة اكتشافات علمية مهمة.
كذلك فإن الفكرة السائدة في العصور الوسطى عن تسطح الأرض قد اختفت، واتجه الاقتناع إلى الفكرة الإغريقية القديمة القائلة بأن من المستطاع الوصول إلى الشرق إذا اتجه الإنسان جهة الغرب.
ومع ظهور الروح العلمية للطبقة البورجوازية، أخذت روح البحث العلمي والتنقيب تتقدم على حساب التأخر والجهل. كما أخذت روح النقد وحرية الرأي تنطلق بعد الركود والتجمد.
وقد قام العالم الإنجليزي روجر بيكون Roger Bacon في القرن الثالث عشر (1214) - (1294م) يهزأ بالآراء السائدة في عصره، ويهاجم المنهج القياسي بعد أن فطن إلى قيمة المنهج التجريبي ومنفعته وأخذ يدعو إلى استخدام التجربة باعتبارها الأساس الوحيد للتوصل إلى اليقين، وقد أطلق على العلم الذي يتبنى هذا المنهج اسم «العلم التجريبي».
ومع أن روجر بيكون ينتمي إلى العصور الوسطى، إلا أنه كان خير تمهيد لعصر النهضة، فقد أيقظ روح البحث والشك من رقادها، ووضع قاعدة عدم التسليم المطلق بمعرفة شيء دون إخضاعه للتجربة، بل لقد كان أول من أصر على ضرورة إلمام الطبيب بأصول علم الكيمياء كشرط أساسي لتكوينه.
فلما كان عصر النهضة، أخذ مفكروه يستهجنون استقاء الحقائق من قدماء الفلاسفة ومشاهيرهم، وسخروا من منهج أرسطو الجدلي وبراهينه الصورية، وطالبوا بالكشف عن أسرار الطبيعة. عن طريق الملاحظة والتجربة، وبدت هذه المحاولة في الفلك والطب وسائر مجالات العلم الطبيعي.
وقد مهد ذلك لظهور فرانسيس بيكون Francis Bacon (1561 ــ 1626) واضع أسس المنهج التجريبي الحديث، ومؤلف كتاب الأورجانوم الجديد Novum organum (أي الآلة أو الأداة الوحيدة)، الذي رد به على أورجانوم أرسطو، مستبدلاً بنموذج التفكير القياسي الصوري نموذجا جديدا قوامه الملاحظة والتجربة هو الذي يعرف بمنهج الاستقراء. ويتألف من جانبين جانب نقدي وجانب بنائي.
وغرض الجانب الأول تطهير العقل وتنقيته مما يحويه من أوهام حددها فرانسيس بيكون بأوهام أربعة هي:
- أوهام الجنس Idols of the race
- أوهام الكهف Idols of the Cave
- أوهام السوق Idols of the Market-Place
- أوهام المسرح Idols of the Theatre
وقد اعتبر هذه الأوهام الأربعة حجر عثرة في سبيل البحث العلمي. أما الجانب الإيجابي فيضم مراحل المنهج التجريبي التي تتمثل في جميع الحقائق والترتيب والتبويب والاستقراء الحقيقي.