إنّ المستجدّين من علماء السنّة المتعصّبين في مصر أقرّوا بالغدير وسلّموا به؛ غاية الأمر لمّا كانوا يرون أنّ نصب الإمام مناف للديمقراطيّة الغربيّة على حدّ زعمهم، لذلك لم يستسيغوه على الصعيد العمليّ والتطبيقيّ. واعتبروا الاقتراع وانتخاب الإمام منسجمين مع روح الديمقراطيّة فيما إذا أفرزهما تصويت الأكثريّة.
فأحمد أمين المصريّ لم يترك تهمة إلّا وألصقها بالشيعة وعلمائهم وكتبهم، وذلك في كتبه: «فَجر الإسلام» و«ضُحى الإسلام» و«ظُهر الإسلام»؛ وكلّ من رأي هذه الكتب، فإنّه يقف على عناده ومكابرته، ولكن مع ذلك كلّه، فهو يقرّ بحديث الغدير ويعترف به.
يقول صاحب كتاب «تفكّر نوين سياسي اسلام» (التفكير السياسيّ الحديث في الإسلام): يحاول أحمد أمين، من خلال قلب المعالم الخاصّة لمذهب أهل البيت، أن يبسط بحثاً معقّداً في مقابل المذهب السنّيّ، في أربعة مبادئ رئيسيّة هي: العصمة، والمهدويّة، والتقيّة، والرجعة. ونلحظ في آراء أمين حول هذه المسائل الأربع معايير تنبئ عن ذهنيّة ليبراليّة ذات نزعة عصريّة، فهو يعترض على نظريّة الإمامة عند الشيعة، لا من منطلق عدم الاعتقاد بوثاقة حديث الغدير (وهو نفسه يقرّ بأنّ بعض مؤرّخي السنّة يعترفون به)، بل من منطلق الاعتقاد بأنّ نظريّة الإمامة تلغي التصوّرات الحديثة للديمقراطيّة.[1]
قال الشيخ محمّد عبده في «تفسير المنار» الذي ألّفه السيّد محمّد رشيد رضا: أمّا حديث: مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيّ مَوْلَاهُ فقد رواه أحمد في مسنده من حديث البَراء وبُرَيْدة، والترمذيّ، والنسائيّ، والضياء في «المختارة» من حديث زيد بن أرقم، وابن ماجة عن البراء؛ وحسّنه بعض أهل الحديث؛ وصحّحه الذهبيّ بهذا اللفظ؛ ووثّق أيضاً سند من زاد فيه: اللهُمَّ وَالِ مَن وَالاهُ، وَعَادِ مَنْ عَادَاهُ، وَانْصُرْ مَنْ نَصَرَهُ، وَاخْذُلْ مَنْ خَذَلَهُ.
وفي رواية أنّ النبيّ خطب الناس، فذكر اصول الدين، ووصّى بأهل بيته، فقال: "إنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وَعِتْرَتِي أهْلَ بَيْتِي، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا، فَإنَّهُمَا لَمْ يَفْتَرِقَا حتّى يَرِدَا عَلِيّ الحَوْضَ.
اللهُ مَوْلَايَ، وَأنَا وَلِيّ كُلِّ مَؤمِنٍ؛ ثُمَّ أخَذَ بِيَدِ عَلِيّ وَقَالَ: مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيّ مَوْلَاهُ؛ اللهُمَّ وَالِ مَنْ وَالاهُ، وَعَادِ مَنْ عَادَاهُ، وَانْصُرْ مَنْ نَصَرَهُ، وَاخْذُلْ مَنْ خَذَلَهُ".[2]
ثمّ قال بعد بحث مقتضب: وأمّا الحديث (حديث الولاية يوم الغدير)، فنهتدي به: نوالى عليّاً المرتضى ونوالى من والاهم، ونعادي من عاداهم؛ ونعدّ ذلك كموالاة رسول الله صلّى الله عليه [و آله] وسلّم؛ ونؤمن بأنّ عترته لا تجتمع على مفارقة الكتاب الذي أنزله الله عليه؛ وأنّ الكتاب والعترة خليفتا الرسول. فقد صحّ الحديث بذلك في غير قصّة الغدير. فإذا أجمعت العترة على أمر، قبلناه واتّبعناه. وإذا تنازعوا في أمر، رددناه إلى الله وإلى الرسول.[3]
ومع هذا كلّه، لمّا كانت روح التبعيّة للإمام المعصوم المنصوب من الله معدومة عندهم، لهذا ما فتئوا يحترمون سقيفة بني ساعدة وحكومة الغاصبين، ويؤوّلون الولاية في حديث غدير خمّ وسائر الأحاديث بمعنى المحبّة أو النصرة، لعلّهم يجدون ملاذاً يفرّون إليه خشية اتّباع الحقّ. وَأني لَهُمْ ذَلِكَ؟
لقد تحدّث محمّد فَريد وَجْدي في دائرة معارفه عن كلّ موضوع، وحكم، وتأريخ، ومذهب، وواقعة، وحادثة، وتقليد، وعادة، وكان له بحث تامّ وواف في هذا كلّه؛ وحتّى في كلمة الخيار إذ تحدّث عنه في صفحتين، وذكر نوعاً من أنواعه يدعى (خيار شَنبَر) في عشرة أسطر، إلّا أنه لم يتحدّث عن الغدير ووقوف رسول الله بالجحفة وخطبته فيها وحديث الولاية، ولم يأت بجملة واحدة عن ذلك لا في مادّة غَدَر، ولا في مادّة خَمَم. ولم يذكر الغدير أثناء كلامه عن الولاية والخلافة، اللهمّ إلّا في مادّة جَحَفَ فأنّه قال: الجُحفة موضع بين مكّة والمدينة.
وتحدّث المشار إليه عن الخلافة في خمس وعشرين صفحة؛ وتطرّق إلى ما حدث بعد وفاة رسول الله من اجتماع الأنصار في سقيفة بني ساعدة، وذهاب عمر، وأبي بكر، وأبي عبيدة الجرّاح إلى السقيفة، وبالتالى بيعة أبي بكر، تحدّث عن ذلك بالتفصيل، بَيدَ أنه لم يأتِ في دائرته بجملة واحدة عن غدير خمّ، ولم يأت حتّى برواية اخرى حول خلافة أمير المؤمنين عليه السلام ووزارته وإمارته ووصايته؛ وكأنّ هذا الموضوع لم يكن في الإسلام. وله في مادّة الولاية بحث مفصّل يقع في سبع وثلاثين صفحة.[4] وله بحث عن طرق ارتباط أهل التصوّف وفِرَقهم. ولكنّه لم يُشِر إلى حديث الولاية والآية القرآنيّة التي تحدّثت عن الولاية، وكأنّ نبيّنا عنده لم يكن كأحد الأنبياء، وعليّ بن أبي طالب ليس من هذه الامّة! بينما نلاحظ في كتابه أنه يتحدّث عن انتخاب الخليفة وديمقراطيّة الإسلام في مواطن شتّى منه؛ ويحاول جاهداً أن يكيّف الآيات، والروايات، ومنهاج رسول الله، وسيرة المسلمين على أساس الديمقراطيّة الغربيّة؛ ولعلّه كان يخيّل إليه أنه يقدّم للإسلام والقرآن خدمة بهذا العمل، ويدفع عنهما شبهة نصب الإمام وتعريف الولاية.
ومع أنه كان يقرّ بأخطاء عمر، وأبي بكر، وعثمان، ويعنّف عثمان أيّما تعنيف، ويحمّله المسئوليّة في رفضه الاقتراح الذي قدّمه إليه المسلمون، القاضي باستقالته عن الخلافة. ويعظّم عليّاً عليه السلام ويبجّله، بَيدَ أنه- مع ذلك كلّه- لم يكن مستعدّاً لترك ما وجد عليه آباءه من امّةٍ، فيلتحق بمدرسة أتباع أهل البيت، فلهذا تترجم لنا الآية الكريمة التالية حاله وتقليده الأعمى لآبائه بكلّ وضوح: {إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ}.[5]
وعند ما يتحدّث عن الفرق الواقعة في الإسلام في مادّة فَرَق، فإنّه يقرّ بمخالفة عمر لرسول الله حين أمر بإتيانه بدواة وكتف، وهو على فراش المرض، ويقرّ أيضاً بمخالفته لإنفاذ جيش اسامة، ويعترف بكلام مأثور عن عمر، وهو قوله: مَنْ قَالَ: إنَّ مُحَمَّداً مَاتَ قَتَلْتُهُ بِسَيْفِي، ويقرّ بالسقيفة وإمامة أبي بكر، وبيعة عمر، وقوله: ألَا إنَّ بَيْعَةَ أبي بَكْرٍ كَانَتْ فَلْتَةً وَقَى اللهُ شَرَّهَا، فَمَنْ عَادَ إلَى مِثْلِها فَاقْتُلُوهُ، فَأيُّمَا رَجُلٍ بَايَعَ رَجُلًا مِنْ غَيْرِ مَشْوَرَةٍ مِنَ المُسْلِمِينَ فَإنَّهُمَا جَدِيرَانِ أنْ يُقْتَلَا؛ ويعترف بدعوى فاطمة فدكاً، ويعترف أيضاً بقتال أبي بكر مانعي الزكاة؛ ويحصي النقمات على عثمان وخطاياه وذنوبه. ثمّ يقول: وقعت هذه الأحداث كلّها لمصلحة المسلمين، وينبغي أن تكون الخلافة باختيار الناس وآرائهم.[6]
وبعد ذلك كلّه يقول: وَبالجملة كَانَ عَلِيّ مَعَ الحَقِّ وَالحَقُّ مَعَ عَلِيّ (الكلام).[7]
فهل جهل هذا الرجل العالم كتب الروايات والسنن والتأريخ؟ أ لم ير الأحاديث المأثورة في الكتب المفصّلة عن الغدير، وقد ذكرنا نموذجاً منها هنا؟ وهل يجيز لنا الحكم من جانب واحد على أساس الديمقراطيّة والحريّة أن نغضّ الطرف عن حديث مسلّم ومتواتر، ونعتبره نسْياً مَنْسِيّاً؟
ومن الثابت أنّ ذنب هذا الجيل من المسلمين الذين يتهافتون على الباطل، ويعرضون عن الحقّ يقع على عاتق أمثال هؤلاء العلماء الذين شابوا التأريخ الصحيح بآرائهم، ثمّ قدّموا هذا التأريخ المشوب إلى المجتمع وعامّة الناس.
إنّ هؤلاء المساكين الذين يبغون من وراء هذه التمحّلات عرض خلافة أبي بكر كخلافة قائمة على أساس ديمقراطيّ، وتوطيد دعائم مذهبهم، ما ذا يقولون عن خلافة عمر التي تمّت برأي أبي بكر الفرديّ الاستبداديّ؟ وما ذا يقولون عن خلافة عثمان التي كانت برأي عمر الفرديّ الاستبداديّ؟ وهل كان اختيار عمر أو عثمان للخلافة قد تمّ بالتشاور مع المسلمين؟
يستبين ممّا عرضناه هنا كنه السرّ من وراء إخفاء حديث الغدير. علماً أنّ حديث الغدير لا يدع مجالًا للتروّي والتأمّل؛ وكما قال أبو حنيفة: لَا تُقِرُّوا بِهَا فَيَخصِمُوكُمْ! فالحيلة- إذَن- إخفاء حديث الغدير، كما أنّ البُخاريّ، ومُسْلِم لم يذكراه في صحيحهما؛ فلهذا نرى أنّ هذين الصحيحين يحظيان بأهمّيّة خاصّة عند السنّة، لأنهما يرسيان دعائم التسنّن أكثر فأكثر؛ وكان الحكّام في ضوء سياستهم أقرب إلى هذين الكتابين من غيرهما.
ولم يذكر البُخاريّ، ومُسْلم أحاديث المهديّ القائم من آل محمّد، وقد صدفا عنها تماماً. أمّا الصحاح الأربعة الاخري، وهي للنسائيّ، وأحْمد بن حَنْبَل، والتِّرمَذيّ، وابن ماجَة، فقد ذكرت حديث الغدير، وحديث مهديّ آل محمّد معاً بأسانيد صحيحة. بَيدَ أنّ محلّلي السيرة والتأريخ، وحتّى المستشرقين المحايدين صرّحوا ونصّوا وفقاً لمنطق الإسلام أنّ الحقّ كان مع عليّ بن أبي طالب، وقد حرموه من حقّه.
[1] «تفكّر نوين سياسي اسلام»، تأليف الدكتور حميد عنايت، في ترجمة أبي طالب الصارميّ، ص 39.
[2] «تفسير المنار» ج 6، ص 464 و 465.
[3] «نفس المصدر السابق».
[4]«دائرة المعارف» و جدي، ج 3، ص 743 إلي 768.
[5] الآية23، من السورة 43: الزخرف.
[6]«دائرة المعارف»، وجدي، ج 7، ص 218 فما يليها.
[7] نفس المصدر السابق، ص 222.