أوّلا: لفظ المولى نفسه الذي جاء في الحديث. والمولى من مصدر الولاية. والولاية تعني الاتّحاد بين شيئين، وزوال الحجاب المانع من اتّحادهما. وقد ذكرنا في الجزء الخامس من كتابنا هذا «معرفة الإمام» أنّ جميع المعاني المنقولة للوَلاية والمَوْلى تعود إلى معنى واحد، وقد وضع لفظ الولاية لذلك المعنى بلا إضافة.
وقال الراغب الإصفهانيّ في مفرداته، مادّة وَلِيْ: الْوَلَاءُ والتَّوَالِي أنْ يَحْصُلَ شَيْئَانِ فَصَاعِداً حُصُولًا لَيْسَ بَيْنَهُمَا مَا لَيْسَ مِنْهُمَا.[1] أي: إذا كان بينهما ما يفصلهما، فينبغي أن يكون منهما، أو لا وجود لما يفصل بينهما، فهما متّحدان بكلّ ما للكلمة من معنى، أو إذا لم تتحقّق بينهما وحدة، فإنّ ما يفصل بينهما يجب أن يكون منهما، لا من شيء آخر.
هذا هو معنى الوَلَاية وَالوَلَاء والتَّوَالِي. وجميع مشتقّات هذه المادّة من وَلِيّ ومَوْلَى وأولَى ووَالِي وغيرها لها نفس المعنى. ونلاحظ هذا المعنى نفسه في جميع تصاريف أبواب «فعل».
ثمّ جاءت في اللغة بمعنى القرب نظراً لما تقتضيه الكيفيّة الحاصلة بين شيئين من القرب. ولمّا كان القرب المعنويّ كالقرب الحِسّيّ يتمتّع بميزات القرب وخصائصه، لذلك عبّروا عن القرب المعنويّ بلفظ الولاية. واستعاروا الوَلاء والتَّوَالِي للقرب النَّسَبيّ، والقرب الدينيّ، وقرب الصداقة، والنصرة، والاعتقاد، وما شابهها.
ثمّ استخدموا هذه الكلمة حيثما كان معنى الولاء الحقيقيّ ورفع الحجاب بين شيئين قائماً، وكان المصداق لتحقّق معنى الوَلاء موجوداً. وعلى سبيل المثال فقد استعملوا كلمة الولاية في النسبة والقرب اللذين يوجدان نوعاً من الاتّحاد والاشتراك بين المالك والمملوك، وعبّروا عن كلّ واحد منهما: المَوْلَى. وكذلك أطلقوا هذه الكلمة في النسبة بين السيّد والعبد، والمُنْعِمْ والمنعَمُ عَلَيْهِ، والمُعْتِق والمُعْتَق. وفي النسبة بين الحليفين، والعقيدين، والحبيب والمحبوب، والناصر والمنصور، وابني العمّ، والجارين، والمتصرِّف في الأمر والمتصرَّف فيه، والمتولّي وصاحب الاختيار، ومن كان تحت ولايته. وأطلقوا لفظ المولى على كثير من الحالات الاخرى بنفس النسق. ويقال لكلّ طرف من هذه النسبة: مَوْلَى. وما نستنتجه من هذا العرض هو:
أوّلا: أنّ إطلاق لفظ المَوْلَى على كلّ واحد من هذين الشخصين، اللذين يتواجهان، ليس من باب إطلاق كلمة على معنيين متضادّين، ولا يدخل هذا في باب الأضداد كما يعبّرون. لأنه على الرغم من أنّ السيّد والعبد متضادّان من حيث الفاعليّة والمفعوليّة، لكنّ استعمال كلمة المَوْلَى في هذين المعنيين لم يأت من وحي هذه المواصفات المتضادّة، بل من وحي الارتباط والاشتراك القائم بينهما، وهو كالارتباط بين الناصر والمنصور اللذين يربطهما معنى النصرة. وهذا الارتباط والاشتراك في النصرة له معنى واحد يوصل مفهوم الناصر بمفهوم المنصور.
وثانياً: أنّ استعمال لفظ الوَليّ والمَوْلَى والوَلَايَة ومشتقّاتها في جميع هذه المعاني العديدة التي بلغ بعضها سبعة وعشرين معنى، ليس من باب استعمال اللفظ في معانٍ متعدّدة، بل من باب استعماله في معناه الحقيقيّ الأصليّ الواحد، وإنّما استُعْمِل في هذه المصاديق المختلفة من باب التطبيق والانطباق دون النظر إلى خصائص موضع الانطباق. فعلى هذا، فلفظ المَوْلَى والوَليّ والوَلَاية وما شابَهها التي استعملت في هذه المعاني العديدة هي من باب الاشتراك المعنويّ، لا الاشتراك اللفظيّ.[2]
قال التفتازانيّ في «شرح المقاصد»[3] والقوشجيّ في «شرح التجريد»، ومير سيّد شريف الجرجانيّ في «شرح المواقف» للقاضي الإيجيّ، في ص 611: جاءت كلمة المَوْلَى لسبعة معانٍ: المُعْتِق والمُعْتَق، والحَلِيف، والجار، وابن العمّ، والنَّاصِر، والأوْلَى في التصرّف.
وذكر السجستانيّ العزيزيّ في كتاب «غريب القرآن»[4]، والأنباريّ في «مشكل القرآن»،[5] ثمانية معانٍ للمولى، وهي: العَبْد، والسيِّد، والصِهْر، والوَلِيّ، وابن العَمّ، والجار، والحَلِيف، والأوْلَى بالشَّيْء.
[1] «معرفة الإمام» ج 5، الدرس 61 و 62، جاء الحديث عن معني الولاية و لفظ الولي و المولي هناك بصورة وافية. بَيدَ أني أشرت هنا إلي ذلك الموضوع إجمالًا و ذلك لأنّ الحديث يحوم هنا حول لفظ المولي الوارد في حديث الغدير.
[2] قال في «شرح المواقف» ضمن نقله تقرير دليل الشيعة في كيفيّة استفادة الإمامة من حديث الولاية: «و لأنّها (أي المعاني المذكورة) تشترك في الولاية فيجب الحمل عليها و جعل اللفظ حقيقة في هذا القدر المشترك دفعاً للاشتراك اللفظيّ». (ص 611). و قال المرحوم العلّامة الأمينيّ أيضاً في «الغدير» ج 1، ص 370 بعد عرض القاسم المشترك بين المعاني التي ذكرها للمولى، و بلغت سبعة و عشرين معنى: الوجه المشترك بين هذه المعاني هو الأولى بالشيء فالاشتراك معنويّ و هو أولى من الاشتراك اللفظيّ المستدعى لأوضاع كثيرة غير معلومة بنصٍّ ثابتٍ و المنفِيَّةِ بالأصل المحكّم. و قد سَبَقَنا إلى بعض هذه النظريّة شمسُ الدين ابن البِطْريق في «العمدة» ص 56، و هو أحد أعلام الطائفة في القرن السادس» بَيدَ أننا لا نتّفق مع المرحوم الأمينيّ في طبيعة الوجه المشترك، و سيأتي.
[3] «شرح المقاصد» ص 289.
[4] «غريب القرآن»، ص 154.
[5] «مشكل القرآن»، بناءً على نقل الشريف المرتضى في كتاب «الشافي». و ذكر استشهاد الأنباريّ ببيت لُبَيد. و كذلك بناءً على نقل ابن بطريق في كتاب «العمدة» ص 55.