من علماء الإماميّة الذين ألّفوا في الغدير: مير حامد حسين رضوان الله عليه، وهو من مفاخر علماء الإسلام، ومن حماة حريم التشيّع[1] وحرّاسه المرموقين. فإنّه فصّل كثيراً في ذكر الكتب المصنّفة في موضوع حديث الغدير. وانبري إلى ذكر أسماء كثير من العلماء الذين اعترفوا بتواتر الحديث، وترجم لهم مسهباً. رضوان الله عليه وأسكنه بُحبوحَة جنَّته مع أوليائه.
وقد أتى المرحوم العلّامة الأمينيّ على حديث الغدير من جميع جوانبه ووفّاه حقّه. وذلك في كتابه الفذّ البديع الذي لا مثيل له: «الغدير» الذي يعدّ فريداً في موضوعه حقّاً، وصاحبه من مفاخر علمائنا. ذكر العلّامة الأمينيّ سند الغدير بالتفصيل عن مائة وعشرة صحابيّ مرتّبة أسماؤهم على حسب حروف الهجاء مع ترجمة وافية لهم. وكذلك أورد أسماء أربعة وثمانين تابعيّاً وفقاً للترتيب الهجائيّ.[2] ونقل في موسوعته أسماء الرواة الذين رووا هذا الحديث، اعتباراً من القرن الثاني حتّى القرن الرابع الهجريّ، ومجموعهم ثلاثمائة وستّون راوياً مع ترجمة لحياتهم. وكذلك ثبّت فيه أسماء المؤلّفين الذين صنّفوا في حديث الغدير، وعددهم ستّة وعشرون شخصاً. وقال في آخر هذا البحث تحت عنوان: تكملة: قال ابن كثير في «البداية والنهاية» ج 5، ص 208: «و قد اعتنى بأمر هذا الحديث أبو جعفر محمّد بن جرير الطبريّ صاحب التفسير والتأريخ، فجمع فيه مجلّدين أورد فيهما طرقه وألفاظه. وكذلك الحافظ الكبير أبو القاسم بن عساكر أورد أحاديث كثيرة في هذه الخطبة، نحن نورد عيون ما روى في ذلك».
وبعد نقل حكاية الجوينيّ في بغداد ومشاهدته المجلّد الثامن والعشرين الخاصّ بالغدير عند الصحّاف، قال نقلًا عن «ينابيع المودّة»: «و قال العلويّ الهدّار الحدّاد في كتاب «القول الفصل» ج 1، ص 445: كان الحافظ أبو العلاء العطّار الهمدانيّ يقول: أروى هذا الحديث بمائتي وخمسين طريقاً. وهناك تآليف اخرى تخصّ هذا الموضوع يأتي ذكرها في صلاة الغدير، إن شاء الله».[3]
وجمع صاحب «الغدير» في هذه الموسوعة القيّمة القصائد التي انشدت في الغدير بدءاً بعصر صدر الإسلام حيث شعر حسّان بن ثابت، والكميت وأمثالهما، وانتهاءً بالقرن الرابع عشر. جمع القصائد التي قيلت في الغدير، ورتّبها حسب عصورها. وجاء ببحث بليغ حول ترجمة شعرائها ومنهجهم في الحياة، وتضلّعهم في العلوم، وقرض الشعر، والجدل، وإخلاصهم لأهل البيت عليهم السلام. ويمثّل كتاب «الغدير» موسوعة ضخمة ترتكز على أساس مدرسة التشيّع. وفيها كلّ ما لذّ وطاب من الشعر، والأدب، والتأريخ، والفنّ، والأخلاق، والعلم، والدين. رحم الله العلّامة الأمينيّ وجزاه عن العلم والدين والإسلام والإيمان أحسَنَ الجَزَاء، وأسْكَنَه في بُحْبوحة جِنَانه مع أوليائه أئمّة المسلمين مِن آلِ خير المرسَلين.
وقد تحدّث العلّامة الأمينيّ في مقدّمة الكتاب عن ضرورة وجود تأريخ صحيح؛ واعتبر ذلك باعثاً على تنامي المجتمع ورقيّه. أي: أنّ كلّ سعادة ينالها شعب من الشعوب منبثقة عن البحث والنقد والتدوين والتعديل والترجيح في التأريخ الصحيح. وذلك ما يقود الشعبَ نحو الواقع، ويهديه إلى واقع الأمر والحقيقة. وإذا انحرف التأريخ عن مجراه الصحيح أحياناً، وصوّر المؤرّخون، والخطباء، والبلغاء، والمحدّثون، والكتّاب، الحقائق بشكل آخر، وفُتح للناس طريق الخيالات والأوهام، بحيث لا يتسنّى لهم أن يميّزوا الحقّ من الباطل، فعندئذٍ يسير المجتمع نحو الضياع والفناء، ذلك أنه أسّس بنيان تأريخه على شفا جُرف هارٍ، فلا منتدح له من الانهيار.
إنّ اهمّيّة واقعة الغدير في تأريخ الإسلامي، بل في تأريخ البشريّة جمعاء لا مجال للشك فيها أو التردد على الإطلاق لأنَّ كل عاقل لا يشك بأنّ شرف الشيء بشرف غايته، فعليه يجب على كل عاقل لأجل الحصول على أصول الدين وأساس المذهب أنّ يسعى في مواضع التاريخ وأسسه وجذوره، وهذه هي الوسيلة التي تقرب الشعوب والأمم من بعضها البعض.
ولذلك نجد أئمّة التأريخ يتهالكون في ضبط مبادئ الأديان وتعاليمها، وتقييد ما يتبعها من دعايات، وحروب، وحكومات، وولايات، التي عليها تناسلت الحقب والأعوام، ومضت القرون الخالية [و يعرّض اولئك المؤرّخون أنفسهم للخطر من وراء ذلك].
وإذا أهمل مؤرّخ شيئاً من ذلك، [و لم يسبر غورها كما ينبغي]، فقد أوجد في صحيفته فراغاً لا تسدّه أيّة مهمّة، وجاء فيها بأمر خداج، بتر أوّله، ولا يُعلم مبدؤه. وعسى أن يوجب ذلك جهلًا للقارئ في مصير الأمر ومنتهاه.
إنّ واقعة «غدير خمّ» هي من أهمّ تلك القضايا [التي وقعت في التأريخ] لما ابنتي عليها وعلى كثير من الحجج الدامغة، مذهب المقتصّين إثر آل الرسول صلوات الله عليه وعليهم، وهم يعدّون بالملايين، ومنهم الحكماء والعلماء والأمراء، والقادة، وفيهم العلم والسؤدد والأدب الجمّ، والفضل الكثير، [و عندهم] كتب قيّمة في كلّ فنّ [من الفنون].
[لذلك]، فإن يكن المؤرخ منهم، فمن واجبه أن يفيض على امّته نبأ بدء دعوته. وإن يكن من غيرهم، فلا يعدوه أن يذكرها بسيطة عند ما يسرد تأريخ امّة كبيرة كهذه، أو يشفعها بما يرتأيه حول القضيّة من غميزة في الدلالة، إن كان مزيج نفسه النزول على حكم العاطفة، وما هنالك من نعرات طائفيّة [التي لا يقوى على التخلّص منها] على حين أنه لا يتسنّى له غمز في سندها، فإنّ ما جاء به النبيّ يوم الغدير من الدعوة إلى مفاد حديثه لم يختلف فيه اثنان، وإن اختلفوا في مؤدّاه لأغراض وشوائب غير خافية على النبيه البصير.
[1] عدة العلّامة الأمينيّ في «الغدير» ج 1، ص 156 و 157 المصنّف الحادي و العشرين من الذين ألّفوا في حديث الغدير. و قال في ترجمته: «السيّد مير حامد حسين بن السيّد محمّد قلي الموسويّ الهنديّ اللكهنويّ المتوفّى سنة 1306 هـ عن 60 سنة. ذكر حديث الغدير و طرقه و تواتره و مفاده في مجلّدين ضخمين في ألف و ثمان صحائف. و هما من مجلّدات كتابه الكبير «العبقات». و هذا السيّد الطاهر العظيم كوالده المقدّس سيف من سيوف الله المشهورة على أعدائه؛ و راية ظفر الحقّ و الدين، و آية كبرى من آيات الله سبحانه. قد أتمّ به الحجّة، و أوضح المحجّة. و أمّا كتابه «العبقات» فقد فاح أريجه بين جهات العالم، و طبّق حديثه المشرق و المغرب. و قد عرف من وقف عليه أنه ذلك الكتاب المعجز المبين الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه. و قد استفدنا كثيراً من علومه المودعة في هذا السفر القيّم. فله و لوالده الطاهر منّا الشكر المتواصل، و من الله تعالى لهما أجزل الاجور».
[2] نذكر هنا أسماء بعض المشاهير من التابعين، و هم: الأصبَغ بن نُباتة، سعيد بن جبير، سالم بن عبد الله بن عمر، سُليم بن قَيس الهلاليّ، سليمان بن مهران الأعمش، طاووس بن كيسان اليمانيّ، عامر بن سعد بن أبي وقّاص، أبو مريم عبد الله بن زياد الأسديّ الكوفيّ، عائشة بنت سَعْد، عطيّة بن سعد بن جُنادة العوفيّ الكوفيّ، عُمَر بن عبد العزيز، عمر بن عليّ أمير المؤمنين، محمّد بن عمر بن عليّ أمير المؤمنين.
[3] «الغدير» ج 1، ص 14 إلي 158.