المتكّلم حين يقيم البراهين في كلّ مسألة من مسائل علم الكلام، إذا انتهى به السير إلى مسألة الإمامة، فلا مُنتدح له من التعرّض لحديث الغدير، حجّة على المدّعى، أو نقلًا لحجّة الخصم، وإن أردفه بالمناقشة في الحساب عند الدلالة. مثل:
1- القاضي أبو بكر الباقلّانيّ البصريّ المتوفّى سنة 403 في كتاب «التمهيد».
2- القاضي عبد الرحمن الإيجيّ الشافعيّ المتوفّى سنة 756 في «المواقف».
3- السيّد الشريف الجُرجانيّ المتوفّى سنة 816 في «شرح المواقف».
4- البيضاويّ المتوفّى سنة 685 في «طوالع الأنوار».
5- شمس الدين الإصفهانيّ في «مطالع الأنظار».
6- التفتازانيّ المتوفّى سنة 792 في «شرح المقاصد».
7- القوشجيّ المولى علاء الدين المتوفّى سنة 879 في «شرح التجريد».
والعبارة التي أتى بها هؤلاء المتكلّمون جميعهم هي: «أنّ النبيّ الأكرم صلّى الله عليه وآله قد جمع الناس يوم غدير خمّ موضع بين مكّة والمدينة بالجحفة؛ وذلك بعد رجوعه من حجّة الوداع، وكان يوماً صائفاً حتّى أنّ الرجل ليضع رداءه تحت قدميه من شدّة الحرّ؛ وجمع الرحال، وصعد عليها، وقال مخاطباً الناس: "مَعَاشِرَ المُسْلِمِينَ! ألَسْتُ أولَى بِكُمْ مِنْ أنفُسِكُمْ؟! قَالُوا: اللهُمَّ بَلَى! قَالَ: مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيّ مَوْلَاهُ؛ اللهُمَّ وَالِ مَنْ وَالاهُ، وَعَادِ مَنْ عَادَاهُ، وَانْصُرْ مَنْ نَصَرَهُ، وَاخْذُلْ مَنْ خَذلَهُ".
لم ينقل المتكلّمون هذه الكلمات من مصدر ما، بل ذكروها إرسال المسلّم.
ومن المتكلّمين: القاضي المنجّم محمّد الشافعيّ المتوفّى سنة 876 في «بديع المعاني»، وجلال الدين السيوطيّ في أربعينه؛ ومفتي الشام حامد بن عليّ العماديّ في «الصلاة الفاخرة بالأحاديث المتواترة»؛ والآلوسيّ البغداديّ المتوفّى سنة 1324 في «نَثْر اللئالئ». وغيرهم من المتكلّمين.
واللغويّ لا يجد مُنتدحاً من الإيعاز إلى حديث الغدير عند إفاضة القول في معنى المَوْلَى، أو الخُمّ، أو الغدير، أو الوليّ، كابن دُرَيد محمّد بن الحسن المتوفّى سنة 321 في جمهرته ج 1 ص 71؛[1] وابن الأثير في «النهاية» والحَمَويّ في «معجم البلدان» في خُمّ، والزَّبِيديّ الحنفيّ في «تاج العروس»، والنَّبهانيّ في «المجموعة النَّبهانيّة».[2]
وجاء في «غاية المرام» تحت عنوان: نصّ رسول الله صلّى الله عليه وآله على أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام في غدير خمّ بالولاية المقتضية للإمارة والإمامة في قوله صلّى الله عليه وآله: مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيّ مَوْلَاهُ من طريق العامّة تسعة وثمانون حديثاً، ومن طريق الخاصّة ثلاثة وأربعون حديثاً. وفيما يلي عدد من الأحاديث عن الفريقين: قال أحمد بن حنبل: حدّثنا ابن نُمَيْر، قال: حدّثنا عبد الملك بن عطيّة العوفيّ، قال: أتيت زيد بن أرقم فقلت له: إنّ خالى حدّثني عنك بحديث في شأن عليّ يوم غدير خُمّ؛ فأنا احبّ أن أسمعه منك! فقال زيد: معشر أهل العراق، فيكم ما فيكم؛ فقلت: ليس عليك منّي بأس! قال: نعم! كنّا بالجحفة، فخرج رسول الله صلّى الله عليه وآله ظهراً وهو آخذ بِيَدِ عليّ عليه السلام فقال: أيّها الناس! أ لستم تعلمون أنّي أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟! قالوا: بلى. قال: مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيّ مَوْلَاهُ.
قال: فقلت: هل قال رسول الله: اللهُمَّ وَالِ مَنْ وَالاهُ، وَعَادِ مَن عَادَاهُ؟ قال زيد: إنَّما اخبرك ما سَمِعْتُ![3]
قال عبد الله بن أحمد بن حنبل: قال حدّثنا حمّاد، عن عليّ بن زيد، عن عديّ بن ثابت، عن البرّ، وهو ابن عازب، قال: أقبلنا مع النبيّ صلّى الله عليه وآله في حجّة الوداع حتّى كنّا بغدير خمّ، فنودي فينا إلى الصلاة جامعة. وكُسِحَ لرسول الله بين شجرتين. فأخذ رسول الله بِيَدِ عليّ وقال: أ لَسْتُ أوْلَى بِالمُؤْمِنِينَ مِنْ أنْفُسِهِم؟ قالوا: بَلى يَا رَسُولَ الله.
قال: ألَسْتُ أوْلَى بِكُلِّ مُؤْمِنٍ مِنْ نَفْسِهِ؟ قالوا: بَلى يَا رَسُولَ اللهِ!
قال: هَذَا مَوْلَى مَنْ أنَا مَوْلَاهُ. اللهُمَّ وَالِ مَنْ وَالاهُ! وَعَادِ مَنْ عَادَاهُ.
فلقيه عمر، فقال: هنيئاً لك يا ابن أبي طالب أصبحتَ وأمسيتَ مَولى كلّ مؤمن ومؤمنة.[4]
قال عبد الله بن أحمد بن حنبل: حدّثنا عبد الله بن الصَقْر سنة 299، قال: حدّثنا يعقوب بن حمدان بن كاسب، قال: حدّثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن أبيه، وربيعة الخدسيّ أنه ذكر عليّ بن أبي طالب عند رجل، وعنده سَعْد بن أبي وقّاص؛ فقال له سعد: أتذكّر ذكراً أنّ له مناقب أربعاً، لأن يكون لي واحدة منهنّ أحبّ إليّ من كذا وكذا، وذكر حمر النعم، وقوله أي رسول الله: لُاعْطينَّ الرَّاية، وقوله: أنْتَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ موسى، وقوله: مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيّ مَوْلَاهُ.
ونسي سفيان واحدة.[5]
من «صحاح مسلم» أيضاً قال: حدّثنا ابن بكّار بن الريّان قال: حدّثنا حسّان يعني ابن إبراهيم، عن سعيد وهو ابن مسروق، عن يزيد بن حَيّان عن زيد بن أرقم، قال: دخلنا عليه؛ فقلنا له: لقد صاحبت رسول الله صلّى الله عليه وآله! وصلّيت خلفه! ولقيت خيراً كثيراً، حدّثنا ما سمعت من رسول الله!
قال زيد: يا بن أخي! والله لقد كبرت سنّي وقدم عهدي؛ ونسيت بعض الذي كنت أعي من رسول الله؛ فما حدّثتكم، فاقبلوه! وما لا، فلا تكلّفونيه! ثمّ قال: قام رسول الله صلّى الله عليه وآله يوماً فينا خطيباً بما يدعى خُمّاً بين مكّة والمدينة؛ فحمد الله وأثنى عليه، ووعظ وذكّر، ثمّ قال: أمّا بَعْدُ؛ أيُّها النَّاسُ! إنَّمَا أنَا بَشَرٌ يُوشَكُ أنْ يَأتِينَي رَسُولُ رَبِّي فَاجيبَ؛ ألَا وَإنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ، أحَدُهُمَا كِتَابُ اللهِ؛ وَهُوَ حَبْلُ اللهِ؛ مَنِ اتَّبَعَهُ كَانَ على الهُدَى، وَمَنْ تَرَكَهُ كَانَ على ضَلَالَةٍ؛ فِيهِ الهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ. فَحَثَّ على كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ؛ ثُمَّ قَالَ: وَأهْلُ بَيْتِي، اذَكِّرُكُمُ اللهَ في أهْلِ بَيْتِي، اذَكِّرُكُمُ اللهَ في أهْلِ بَيْتِي، اذَكِّرُكُمُ اللهَ في أهْلِ بَيْتِي! قَالَ: فَقُلْنَا: وَمِنْ أهْلِ بَيْتِهِ نِسَاؤُهُ؟!
قَالَ: لَا! أيْمُ اللهِ إنَّ المَرْأةَ تَكُونُ مَعَ الرَّجُلِ العَصْرَ ثُمَّ الدَّهْرَ ثُمَّ يُطَلِّقُهَا فَتَرْجِعُ إلَى أهْلِهَا وَقَوْمِهَا. أهْلُ بَيْتِهِ أهْلُهُ وَعَصَبَتُهُ الَّذِينَ حُرِّمُوا الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ.[6]
ومن «مناقب ابن المغازليّ» أبي الحسن عليّ بن المغازليّ الواسطيّ الشافعيّ بسنده عن زيد بن أرقم، ذكر قضيّة الغدير ونقل أنّ رسول الله قال بعد حمد الله والثناء عليه: أمَّا بَعْدُ؛ أيُّهَا النَّاسُ! فَإنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِنَبِيّ مِنَ العُمْرِ إلَّا نِصْفُ مَا عُمِّرَ مَنْ قَبْلَهُ؛ وَإنَّ عيسى ابْنَ مَرْيَمَ لَبِثَ في قَوْمِهِ أرْبَعِينَ سَنَةً، وَإنِّي قَدْ اشْرِعْتُ[7] في العِشْرِينَ،[8] ألَا وَإنِّي يُوشَكُ أن افَارِقَكُمْ وَإنِّي مَسْؤُولٌ وَأنْتُمْ مَسْؤُولُونَ. وبعد حثّ الناس وترغيبهم في التمسّك بالثَّقَلَين، قال: فَإنِّي قَدْ سَألْتُ لَهُمَا اللَّطِيفَ الخَبيرَ فَأعْطَانِي؛ نَاصِرُهُمَا لي نَاصِرٌ؛ وَخَاذِلُهُمَا لي خَاذِلٌ؛ وَوَلِيُّهُمَا لي وَلِيّ؛ وَعَدُوُّهُمَا لي عَدُوٌّ؛ ألَا فَإنَّهَا لَمْ تَهْلِكْ امَّةٌ قَبْلَكُمْ حتّى تَدِينَ بَأهْوَائِهَا، وَتَظَاهَرَ على نُبُوَّتِهَا، وَتَقْتُلَ مَنْ قَامَ بِالقِسْطِ مِنْهَا. ثُمَّ أخَذَ بِيَدِ عَلِيّ ابْنِ أبي طَالِبٍ فَرَفَعَهَا وَقَالَ: مَنْ كُنْتُ وَلِيُّهُ فَهَذَا وَلِيُّهُ، اللهُمَّ وَالِ مَنْ وَالاهُ، وَعَادِ مَنْ عَادَاهُ،[9] قَالَهَا ثَلَاثاً- آخِرُ الخُطْبَةِ.[10]
وفي «مناقب ابن المغازليّ» أيضاً بسنده عن جابر بن عبد الله أنّ رسول الله لمّا نزل بخمّ، فتنحّى الناس عنه، ونزل معه عليّ بن أبي طالب، فشقّ على النبيّ تأخّر الناس، فأمر عليّاً فجمعهم؛ فلمّا اجتمعوا، قام فيها وهو متكئ يد عليّ بن أبي طالب، فحمد الله وأثنى عليه، ثمّ قال: أيُّهَا النَّاسُ! إنَّهُ قَدْ كَرِهْتُ تَخَلُّفَكُمْ عَنِّي حتّى خُيِّلَ إلَيّ أنهُ لَيْسَ شَجَرَةٌ أبْغَضَ إلَيْكُمْ مِنْ شَجَرَةٍ تَلِينِي؛ ثُمَّ قَالَ: لَكِنْ عَلِيّ بْنُ أبي طَالِبٍ أنْزَلَهُ اللهُ مِنِّي بِمَنْزِلَتِي مِنْهُ؛ فَرَضِيَ اللهُ عَنْهُ كَمَا أنَا عَنْهُ رَاضٍ، فَإنَّهُ لَا يَخْتَارُ على قُرْبِى وَمَحَبَّتي شَيئاً. ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ وَقَالَ: مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيّ مَوْلَاهُ؛ اللهُمَّ وَالِ مَنْ وَالاهُ، وَعَادِ مَنْ عَادَاهُ.
قَالَ: فَابْتَدَرَ النَّاسُ إلَى رَسُولِ اللهِ صلّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ يَبْكُونَ وَيَتَضَرَّعُونَ وَيَقُولُونَ: يَا رَسُولَ اللهِ! مَا تَنَحَّيْنَا عَنْكَ إلَّا كَرَاهِيَةَ أنْ نَثْقُلَ عَلَيْكَ! فَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أنْفُسِنَا وَسَخَطِ رَسُولِ اللهِ. فَرَضِيَ رَسُولُ اللهِ عَنْهُمْ عِنْدَ ذَلِكَ.
[1] قال: غدير خمّ معروف، و هو الموضع الذي قام فيه رسول الله صلّى الله عليه و آله خطيباً بفضل أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام، كذا في المطبوع من «الجمهرة». و قد حكى عنه ابن شهرآشوب في العصور المتقدّمة من النسخ المخطوطة من «الجمهرة» ما نصّه: هو الموضوع الذي نصّ النبيّ فيه على[ولاية] عليّ عليه السلام. و قد حرّفته يد المطبعة المؤتمنة.
[2] «الغدير» ج 1، ص 5 إلى 8.
[3] «غاية المرام» ص 79 الباب السادس عشر، الحديث الثامن، الطبعة الحجريّة.
[4] نفسه ص 80، الحديث الحادي عشر.
[5] «غاية المرام» ص 80، الحديث السادس عشر، الطبعة الحجريّة.
[6] «غاية المرام»، ص 80، الحديث التاسع عشر، عطفاً على الحديث السابع عشر، الطبعة الحجريّة.
[7] جاء في «المناقب»: قَدْ أشْرَعْتُ بالسين المهملة.
[8] لا شكّ أنّ رسول الله عمّر ثلاثاً و ستّين سنة. و عند ما يقول هنا: و إنّي قد أشرعت في العشرين، فإنّه يريد عمر النبوّة، و قد بلغت ثلاثاً و عشرين سنة منذ بدئها. و إذا ما طرحنا الأعوام الثلاثة الاوَل حيث كانت الدعوة سرّيّة، و كانت الآية: {فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَ أَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ} بعد، فالباقي عشرون سنة كانت فيها الدعوة النبويّة جهراً. و هذه المدّة تساوي نصف عمر عيسى ابن مريم إذ كان نبيّاً طيلة أربعين سنة تامّة، حيث جعل نبيّاً منذ طفولته: قال: {إنِّي عَبْدُ اللهِ ءَاتَانِي الْكِتَابَ وَ جَعَلَنِي نَبِيًّا ، وَ جَعَلَنِي مُبَارَكاً أيْنَمَا كُنتُ وَ أوصَانِي بِالصَّلَاةِ وَ الزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّا}.
[9] «غاية المرام» ص 81 و 82، الحديث السابع و العشرون؛ و «مناقب ابن المغازليّ»، ص 16 إلي 18، الحديث رقم 23؛ و في «غاية المرام» أيضاً، ص 88، الحديث 79 في حديث ينقله عن عليّ بن أحمد المالكيّ، يذكر فيه إشارة رسول الله إلي أنّ عُمْرَ كلُّ نبيّ نصف عمر النبيّ الذي خلا من قبله.
[10] و في «غاية المرام» أيضاً، ص 89، الحديث الثامن و الثمانون عن ابن المغازليّ، ذكر حديثاً بهذا المضمون أنّ رسول الله قال: لم يكن لنبيّ من العمر إلّا نصف ما عمّر مَن قبله. و إنّ عيسي ابن مريم عمّر أربعين سنة، و إنّي قد اشرعتُ في العشرين.