النعمة هي ما يلائم طبع الشيء من غير امتناعه منه. والأشياء وإن كانت بحسب وقوعها في نظام التدبير متّصلة مرتبطة متلائمة، وأكثرها أو جميعها نِعم إذا اضيفت إلى بعض آخر مفروض، كما قال تعالى: {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوها}.[1]
وقال: {وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وباطِنَةً}.[2]
إلّا أنه تعالى وصف بعضها بالشرّ والخسّة واللعب واللهو وأوصاف اخرى غير ممدوحة. كقوله: {وَما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا لَهْوٌ ولَعِبٌ وإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ}.[3]
وقوله: {لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ، مَتاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وبِئْسَ الْمِهادُ}.[4]
وهذه الآيات تدلّ على أنَّ هذه الأشياء المعدودة نعماً إنَّما تكون نعمة إذا وافقت الغرض الإلهيّ من خلقتها لأجل الإنسان. فإنَّها إنَّما خلقت لتكون إمداداً إلهيّاً للإنسان يتصرّف فيها في سبيل سعادته الحقيقيّة وهي القرب منه سبحانه وتعالى بالعبوديّة والخضوع لربوبيّته العزيزة.
قال تعالى: {وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ والْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ}.[5]
فكلّ ما تصرّف فيه الإنسان للسلوك به إلى حضرة القرب من الله وابتغاء مرضاته فهو نعمة. وإن انعكس الأمر عاد نقمة في حقّه.
وعلى هذا فالأشياء في نفسها بدون ملاحظة هاتين الجهتين، لا نعمة، ولا نقمة. وإنَّما هي نعمة لاشتمالها على روح العبوديّة، ودخولها من حيث التصرّف المذكور تحت ولاية الله التي هي تدبير الربوبيّة لشؤون العبد. ولازمه أنَّ النعمة بالحقيقة هي الولاية الإلهيّة. وأنَّ الشيء إنَّما يصير نعمة إذا كان مشتملًا على شيء منها، وهي العبوديّة.
قال تعالى: {اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ}.[6]
وقال: {ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وأَنَّ الْكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ}.[7]
وقال في حقّ ولاية رسوله: {فَلا ورَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا في أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ ويُسَلِّمُوا تَسْلِيماً}.[8]
لذلك، فالإسلام، وهو مجموع ما نزل من عند الله ليعبده به عباده، دين. وهو من جهة اشتماله- من حيث العمل به- على ولاية الله وولاية رسوله وأولياء الأمر بعده، نعمة.
ولا تتمّ ولاية الله سبحانه وتعالى، أي: تدبيره بالدين لُامور عباده، إلّا بولاية رسوله، ولا تتمّ ولاية رسوله إلّا بولاية اولي الأمر من بعده.
وتدبير أولي الامر للشؤون الدينيّة بإذن من الله، كما قال عزّ من قائل: {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وأَطِيعُوا الرَّسُولَ وأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ}.[9]
وقال أيضاً: {إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ والَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ وهُمْ راكِعُونَ}.[10]
ونحن تحدّثنا بالتفصيل عن تفسير هذه الآية الكريمة في الدرس الثاني والسبعين إلى الدرس الخامس والسبعين من دروس الجزء الخامس من كتابنا هذا.
وحاصل القول في تفسير الآية التي هي موضع بحثنا: {الْيَوْمَ} وهو اليوم الذي يئس فيه الذين كفروا من دينكم، {أَكْمَلْتُ لَكُمْ} مجموعة المعارف الدينيّة التي أنزلها إليكم بفرض الولاية، {وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي}، وهي الولاية التي تمثّل إدارة شئون الدين وتدبيرها تدبيراً إلهيّاً. فإنَّها كانت إلى اليوم ولاية الله ورسوله، وهي إنّما تكفي ما دام الوحي ينزل، ولا تكفي لما بعد ذلك من زمان انقطاع الوحي. فلا رسول بين الناس يحمي دين الله ويذبّ عنه. والواجب في هذه الحالة أن ينصّب من يقوم بذلك، وهو وليّ الأمر بعد رسول الله القيّم على امور الدين والامّة.
فالولاية في زمن رسول الله صلّى الله عليه وآله كانت مشروعاً واحداً بقي ناقصاً وغير كاملِ حتّى تمَّ وكمل بنصب وليّ الأمر بعد النبي، وعلى يده.
وعلى هذا، يكون المعنى كالآتي: إذا كمل الدين في تشريعه، وتمّت نعمة الولاية فقد رضيت لكم من ثمّ الدين الإسلام الذي هو دين التوحيد الذي لا يعبد فيه إلّا الله، ولا يطاع فيه إلّا الله، ومَن أمر بطاعته، من رسول أو وليّ.
فهذه الآية تنبئ عن أنَّ المؤمنين اليوم في أمن بعد خوفهم، وأنَّ الله رضي لهم أن يتديّنوا بالإسلام الذي هو دين التوحيد. فعليهم أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً.
[1] الآية 34، من السورة 14: إبراهيم.
[2] الآية 20، من السورة 31: لقمان.
[3] الآية 64، من السورة 29: العنكبوت.
[4] الآيتان 196 و197، من السورة 3: آل عمران.
[5] الآية 56، من السورة 51: الذاريات.
[6] الآية 257، من السورة 2: البقرة.
[7] الآية 11، من السورة 47: محمّد صلّى الله عليه وآله وسلّم.
[8] الآية 65، من السورة 4: النساء.
[9] الآية 59، من السورة 4: النساء.
[10] الآية 55، من السورة 5: المائدة.