على أنَّ فيما نقل عن عمر من نزول الآية يوم عرفة إشكالًا آخر، لأنه جاء في جميع هذه الروايات أنَّ بعض أهل الكتاب- وفي بعضها أنه كعب-[1] قال لعمر: إنَّ في القُرْآنِ آيَةً لَوْ نَزَلَتْ مِثْلُهَا عَلَيْنَا مَعْشَرَ اليَهُودِ لَاتَّخَذْنَا ألْيَومَ الذي نَزَلَتْ فِيهِ عِيدَاً- وهي قَوْلُهُ: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ}- (الآية).
فَقَالَ عُمَرُ: واللهِ إنِّي لأعْلَمُ اليَوْمَ، وهُوَ يَوْمُ عَرَفَة مِنْ حِجَّةِ الوَدَاعِ.[2]
وروى ابن راهويه، وعبد بن حميد، عن أبي العالية، قال: كانوا عند عمر، فذكروا هذه الآية، فقال رجل من أهل الكتاب: لو علمنا أيّ يوم نزلت هذه الآية، لاتّخذناه عيداً، فقال عمر: الحَمْدُ لِلَّهِ الذي جَعَلَهُ لَنَا عِيدَاً والْيَومَ الثَّانِي، نَزَلَتْ يَوْمَ عَرَفَةَ، ويَوْمُ الثَّانِي النَّحْرُ فَأكْمَلَ لَنَا الأمْرَ فَعَلِمْنَا أنَّ الأمْرَ بَعْدَ ذَلِكَ في انْتِقَاصٍ.[3]
ونقل السيوطيّ ذيل هذه الرواية في «الدرّ المنثور» بشكل آخر عن ابن أبي شيبة، وابن جرير، عن عنترة، قال: لمّا نزلت الآية: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ}، وكان ذلك يوم الحجّ الأكبر (يوم عيد الأضحى) بكى عمر، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: ما يبكيك؟! قال: أبْكَانِي أنا كُنَّا في زِيَادَةٍ مِنْ دِينِنَا فَأمَّا إذْ كَمُلَ فَإنَّهُ لَمْ يَكْمُلْ شَيءٌ قَطٌّ إلَّا نَقَصَ. قَالَ: صَدَقْتَ![4]
وجاء مثل هذه الرواية أيضاً في «الدرّ المنثور» عن أحمد بن حنبل، عن عَلْقَمة بن عبد الله المُزنيّ أنهُ قال: حدّثني رجل قال: كنت في مجلس عمر بن الخطّاب، فقال عمر لرجل من القوم: كيف سمعت رسول الله ينعت الإسلام؟!
قال ذلك الرجل: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلّى اللهُ عَلَيهِ وَ آلِهِ وسَلَّمَ يَقُولُ: إنَّ الإسْلَامَ بَدَأ[5] جَذَعَاً ثُمَّ رَبَاعِيّاً ثُمَّ سَدَسِيّاً ثُمَّ بَازِلًا. قَالَ عُمَرُ: فَمَا بَعْدَ البُزُولِ إلَّا النُّقْصَانُ.[6]
[1] «الدرّ المنثور» ج 2، ص 258.
[2] «الدرّ المنثور» ج 2، ص 258؛ و«تفسير المنار» ج 6، ص 155. ونقل أبو الفتوح الرازيّ هذه الرواية في تفسيره كما يلي: قد رووا عن طارق بن شهاب أنه قال: جاء رجل من أحبار اليهود إلى عمر بن الخطّاب وقال له: نزلت في كتابكم آية على نبيّكم لو كانت قد نزلت علينا لاتّخذنا ذلك اليوم عيداً. قال: وأيّ آية؟ قال: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ}. قال عمر: أعلم متى وأين نزلت. وكنّا مع رسول الله صلّى الله عليه وآله، وكان ذلك اليوم عيداً لنا، وهو عيد لنا معشر المسلمين حتّى يوم القيامة- انتهي. وفي ضوء هذه الرواية أنَّ لفظ عرفة لم يرد فيها. وربّما يكون المراد من يوم العيد هو يوم غدير خمّ.
[3] نفس الهامش السابق.
[4] «الدرّ المنثور» ج 2، ص 258؛ و«تفسير ابن كثير» ج 2، ص 489؛ و«تفسير الطبريّ» ج 6، ص 80.
[5] يستعمل الفعل (بدأ) لازماً. وقال الجوهريّ في «صحاح اللغة»: بَدَأتُ بِالشَّيءِ بَدْءاً: ابْتَدَأتُ بِهِ. وذكر ابن الأثير في «النهاية» قائلًا: ومنه حديث عليّ رضي الله عنه؛ واللهِ لَقَدْ سَمِعْتُهُ يَقُولُ: لَيَضْرِبُنَّكُمْ على الدِّينِ عَوْدَاً كَمَا ضَرَبْتُمُوهُ عَلَيْهِ بَدْءاً: أي: أوَّلًا. ومنه الحديث ... وعُدْتُمْ مِنْ حَيْثُ بَدَأتُمْ.
(الجَذَع: الحيوان الصغير لم تنبت أسنانه. الثني: الحيوان الصغير الذي خرجت ثناياه. الرباعيّ: الحيوان الصغير الذي خرجت رباعيّاته وهي أربعة أسنان في أطراف الثنايا. السدسيّ: الحيوان الصغير الذي لم يبلغ سنّه البازل. البازل: الحيوان الذي طلعت أنيابه.) (م)
[6] «الدرّ المنثور» ج 2، ص 259.