قال السيّد الحِميريّ:
وَقَالَ مُحَمَّدٌ بِغَدِيرِ خُمٍ *** عَنِ الرَّحْمَنِ يَنْطِقُ بِاعْتِزَامِ
يَصِيحُ وقَدْ أشَارَ إلَيْهِ فِيكُمْ *** إشَارَةً غَيْرَ مُصْغٍ لِلْكَلَامِ
ألَا مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَهَذَا *** أخِي مَوْلَاهُ فَاسْتَمِعُوا كَلَامِي
فَقَامَ الشَّيْخُ يَقْدُمُهُمْ إلَيْهِ *** وقَدْ حَصَدَتْ يَدَاهُ مِنَ الزِّحَامِ
يُنَادِي: أنْتَ مَوْلَايَ ومَوْلَى *** الأنَامِ فَلِم عَصَي مَوْلَى الأنَامِ[1]
وأنشد الحِميَريّ أيضاً:
فَقُلْتِ: أخَذْتُ عَهْدَكُمْ عَلَى ذَا *** فَكُونُوا لِلْوَصِيّ مُسَاعِدِينَا
لَقَدْ أصْبَحْتَ مَوْلَانَا جَمِيعَاً *** ولَسْنَا عَنْ وَلَائِكَ رَاغِبِينَا[2]
وقال السيّد الحِميَريّ أيضاً:
قَامَ النَّبِيّ يَوْمَ خُمٍّ خَاطِبَاً *** بِجَانِبِ الدَّوْحَاتِ أوْ حِيَالِهَا
فَقَالَ: مَن كُنْتُ لَهُ مَوْلَى فَذَا *** مَوْلَاهُ رَبِّ اشْهَدْ مِرَارَاً قَالَهَا
إنَّ رِجَالًا بَايَعَتْهُ إنَّمَا *** بَايَعَتِ اللهَ فَمَا بَدَا لَهَا
قَالُوا سَمِعْنَا وأطِعْنَا أجْمَعاً *** وأسْرَعُوا بِالألْسُنِ اشْتِغَالَهَا[3]
وَجَاءَهُمْ مَشِيخَةٌ يَقْدُمُهُمْ *** شَيْخٌ يُهَنِّي حَبَّذَا مَنَالُهَا
قَالَ لَهُ: بَخٍ بَخٍ مَنْ مِثْلُكَ *** أصْبَحْتَ مَوْلَى المُؤْمِنِينَ يَا لَهَا[4]
وقال العونيّ[5]:
حَتَّى لَقَدْ قَالَ ابْنُ خَطَّابٍ لَهُ *** لَمَّا تَقَوَّضَ مِنْ هُنَاكَ وقَامَا
أصَبَحْتَ مَوْلَاي ومَوْلَى كُلِّ مَنْ *** صلّى لِرَبِّ العَالَمِينَ وصَامَا[6]
وقال العونيّ أيضاً:
نَادَي ولَمْ يَكُ كَاذِباً بَخْ بَخْ أبَا *** حَسَنٍ تُرِيعُ الشِّيبَ والشُّبَّانِ
أصْبَحْتَ مَوْلَى المُؤْمِنِينَ جَمَاعَةً *** مَوْلَى إنَاثِهِمُ مَعَ الذُّكْرَانِ[7]
وأنشد الخطيب المنيح:
وَقَالَ لَهُمْ: رَضِيتُمْ بِي وَلِيَّاً *** فَقَالُوا: يَا محَمَّدُ قَدْ رَضِينَا
فَقَالَ: وَلِيُّكُمْ بَعْدِي عَلِيّ *** ومَوْلَاكُمْ فَكُونُوا عَارِفِينَا
فَقَالَ لِقَوْلِهِ عُمَرٌ سَريعاً *** وقَالَ لَهُ مَقَالَ الوَاصِفِينَا
هَنِيئاً يَا عَلِيّ أنْتَ مَوْلَى *** عَلَيْنَا مَا بَقِيتَ ومَا بَقِينَا[8]
وروى معاوية بن عمّار، عن الإمام الصادق عليه السلام، في خبر: لَمَّا قَالَ النَّبِيّ صلّى اللهُ عَلَيهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: مَنْ كُنْتُ مَولَاهُ فَعَلِيّ مَوْلَاهُ، قَالَ العَدَوِيّ: لَا واللهِ مَا أمَرَهُ بِهَذَا، ومَا هُوَ إلَّا شَيءٌ يَتَقَوَّلُهُ، فَأنْزَلَ اللهُ تعالى: {وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ ، لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ، ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ ، فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ ، وإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ ، وإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ ، وإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكافِرِينَ}[9] (يَعْنِي مُحَمَّداً) {وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ}[10] (يَعْنِي عَلِيَّاً).
وروى حسّان الجمّال في خبر عن الإمام الصادق عليه السلام: فَلَمَّا رَأوْهُ رَافِعاً يَدَيْهِ- يَعْنِي رَسُول اللهِ صلّى اللهُ عَلَيهِ وآلِهِ وسَلَّمَ- قَالَ بَعْضُهُمْ: انْظُرُوا إلى عَيْنَيْهِ تَدُورَانِ كَأنهُمَا عَيْنَا مَجْنُونٍ. فَنَزَلَ جَبْرَئِيلُ عَلَيْهِ السَّلامْ بِهَذهِ الآيَةِ: {وَ إِنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ ويَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ ، وما هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ}.[11]
وأنشد السيّد الحِميَريّ أيضاً:
فَقَالَ: ألَا مَن كُنْتُ مَوْلَاهُ مِنْكُمْ *** فَمَوْلَاهُ مِنْ بَعْدِي عَلِيّ فَأذْعِنُوا
فَقَالَ شَقِيّ مَنْهُمْ لِقَرِينِهِ *** وكَمْ مِنْ شَقِيّ يَسْتَزِلُّ ويُفْتِنُ
يَمُدُّ بِضَبْعَيْهِ عَلِيَّاً وإنَّهُ *** لِمَا بِالَّذِي لَمْ يُؤْتَهُ لَمُزَيِّنُ
كَأنْ لَمْ يَكُنْ في قَلْبِهِ ثِقَةٌ بِهِ *** فَيَا عَجَبَاً أني ومِنْ أيْنَ يُوقِنُ
[1] «ديوان الحميري» القصيدة 166، ص 397؛ و«الغدير» ج 2، ص 229؛ و«أعيان الشيعة» ج 12، ص 154، الطبعة الثانية؛ و«مناقب ابن شهرآشوب» ج 1، ص 355.
[2] «ديوان الحميريّ» القصيدة 118، ص 430، البيتان 15 و16 من القصيدة المشتملة على 52 بيتاً في فضيلة أمير المؤمنين عليه السلام؛ و«أعيان الشيعة» ج 12، ص 157؛ و«مناقب ابن شهرآشوب» ج 1، ص 535.
[3] جاء في «المناقب» اشتقالها؛ وكذلك في «أعيان الشيعة»؛ وفي حاشية «المناقب» ذكرها المصحّح بالثاء فقال: اثتقالها؛ وفي «ديوان الحميريّ» اشتغالها بالغين. ولمّا لم نجد معني مناسباً في هذا البيت غير «اشتغالها»، فلهذا ذكرناه هنا.
[4] «ديوان الحميريّ» القصيدة 133، ص 329 إلي 331؛ و«أعيان الشيعة» ج 12، ص 161؛ و«المناقب» ج 1، ص 535.
[5] أبو محمّد العونيّ: طلحة بن عبيد الله بن أبي عَوْن الغسَّانيّ، وجاءت ترجمته وبعض قصائده في مدح أهل البيت وأمير المؤمنين والصادق عليهم السلام جميعاً في كتاب «الغدير» ج 4، ص 124 إلى 140. وشعره بليغ وفصيح عذب شائق عميق. وبلغ شعره في أهل البيت عليهم السلام من الروعة والسموّ درجة كانت تسير الركبان رغبة في الظفر به، وكان الشاعر منير والد أحمد منير ينشد شعر العونيّ في أسواق طرابلس فيقرّط آذان الناس بتلكم الفضائل. لكنَّ هذا الهتاف بذكر أهل البيت ثَقُل على ابن عساكر فأراد أن يشوّه سمعته فقال: إنَّه كان يغنّي في أسواق طرابلس بشعر العونيّ. وجاء ابن خلّكان بعد لايٍ من عمر الدهر حتّى وقف على شعر العونيّ فساءه أكثر ممّا ساء ابن عساكر فطرح لفظة «شعر العونيّ» واكتفى بأنَّ منيراً كان يغنّي في الأسواق.
[6] «مناقب ابن شهرآشوب» ج 1، ص 535؛ و«الغدير» ج 4، ص 127.
[7] «المصدر السابق» ج 1، ص 535 و536.
[8] «نفس المصدر السابق».
[9] الآيات 44 إلي 50، من السورة 69: الحاقّة.
[10] الآية 51، من المصدر السابق.
[11] الآيتان 51 و52، من السورة 68: القلم.