ورد في رواية عن الإمام الباقر عليه السلام قال: قام ابن هند وتمطّى وخرج مغضباً واضعاً يمينه على عبد الله بن قيس الأشعريّ، ويساره على المغيرة بن شعبة، وهو يقول: وَاللهِ لَا نُصَدِّقُ محَمَّدَاً عَلَى مَقَالَتِهِ ولَا نُقِرُّ عَلِيَّاً بِولَايَتِهِ. فَنَزَلَ: {فَلا صَدَّقَ ولا صَلَّى، ولكِنْ كَذَّبَ وتَوَلَّى، ثُمَّ ذَهَبَ إِلى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى، أَوْلى لَكَ فَأَوْلى، ثُمَّ أَوْلى لَكَ فَأَوْلى}.[1]
فهمّ به رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم أن يردّه فيقتله؛ فهبط جبرئيل بهذه الآية: {لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ}. فلهذا سكت عنه رسول الله.
وعن الإمام عليه السلام في قوله تعالى: {قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدِّلْهُ}[2]: ذلك قول أعداء الله لرسوله من خلفه وهم يرون أنه لا يسمع قولهم: لو أنه جعلنا أئمّة دون عليّ أو بدّلنا آية مكان آية.
قال الله عزّ وجلّ ردّاً عليهم: {ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ}.
وروي عن أبي الحسن موسى بن جعفر عليهما السلام أنَّ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم دعا الناس إلى ولاية عليّ بن أبي طالب ليس إلّا فاتّهموه وخرجوا من عنده، فأنزل الله: {قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا ولا رَشَداً قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ} (إن عصيته) {أَحَدٌ ولَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً إِلَّا بَلاغاً مِنَ اللَّهِ ورِسالاتِهِ} (في علي) {وَ مَنْ يَعْصِ اللَّهَ ورَسُولَهُ} (في ولا ية علي) {فَإِنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أَبَداً}.[3]
وعن الإمام موسى بن جعفر عليهما السلام أيضاً أنه فسّر الآية في سورة المزّمّل هكذا: {وَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ} (فِيكَ) {وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلًا ، وذَرْنِي والْمُكَذِّبِينَ} (بِوَصِّيِكَ) {أُولِي النَّعْمَةِ ومَهِّلْهُمْ قَلِيلًا}.[4]
وعن بعض المعصومين عليهم السلام أنهم فسّروا الآية في سورة المرسلات كما يلي: {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ} (يَا مُحَمَّدُ بِمَا أُوحِي إلَيْكَ مِنْ وَلَايَةِ عَلِيّ) {أَ لَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ} (الذين كذبوا الرسل، في طاعة الأولياء* {كَذلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ} (مَنْ أجْرَمَ إلَى آلِ مُحَمَّدٍ ورَكِبَ مِنْ وَصِيِّه مَا رَكِبَ).[5]
وعن الإمام الصادق عليه السلام أنه فسّر الآية في سورة يونس على النحو التالي: {وَ يَسْتَنْبِئُونَكَ أحَقٌّ هُوَ} (مَا تَقُولُ في عَلِيّ) {قُلْ إِي ورَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ}.[6]
وأنشد العونيّ قائلًا:
ألَيْسَ قَامَ رَسُولُ اللهِ يَخْطُبُهُمْ *** يَوْمَ الغَدِيرِ وجَمْعُ النَّاسِ مُحْتَفِلُ
وَ قَالَ مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَذَاكَ لَهُ *** مِنْ بَعْدُ مَوْلَى فَوَاخَاهُ ومَا فَعَلُوا
لَوْ سَلَّمُوهَا إلَى الهَادِي أبِي حَسَنٍ *** كَفَي البَرِيَّةَ لَنْ تَسْتَوحِشَ السُّبُلُ
هَذَا يُطَالِبُهُ بالضَّعْفِ مُحْتَقِبَاً *** وتِلْكَ يَجدُونَهَا في مَحْفِلٍ جُمُلُ[7]
وقال ابن حَمَّاد:
ألَا إنَّ هَذَا وَلِيّ لَكُمْ *** أطِيعُوا فَوَيلٌ لِمَنْ لَمْ يُطِعْ[8]
ونقل ابن شهرآشوب عن العونيّ أيضاً:
يَقُولُ رَسُولُ اللهِ هَذَا لُامَّتِي *** هُوَ ألْيَومَ مَوْلَى رَبَّ مَا قُلْتُ فَاسْمَعِ
فَقَامَ جَحُودٌ ذُو شِقَاقٍ مُنَافِقٌ *** يُنَادِي رَسُولَ اللهِ مِنْ قَلْبِ مُوجِعِ
أعَنْ رَبِّنَا هَذَا أمْ أنْتَ اخْتَرَعْتَهُ *** فَقَالَ: مَعَاذَ اللهِ لَسْتُ بِمُبْدِعِ
فَقَالَ عَدُوُّ اللهِ: لَا هُمَّ إن يَكُنْ *** كَمَا قَالَ حَقَّاً بِي عَذَابَاً فَأوْقِعِ
فَعُوجِلَ مِنْ أفْقِ السَّمَاءِ بِكُفْرِهِ *** بِجَنْدَلَةٍ فَانْكَبَّ ثَاوٍ بِمَصْرَعِ[9]
وقال ابن شهرآشوب أيضاً: «في الخَبَرِ أنَّ النَّبِيّ صلّى اللهُ عَلَيهِ وآلِهِ وسَلَّمَ كَانَ يُخْبِرُ عَنْ وَفَاتِهِ بِمُدَّةٍ ويَقُولُ: قَدْ حَانَ مِنِّي خُفُوقٌ مِنْ بَيْنِ أظْهُرِكُمْ! وكَانَ المُنَافِقُونَ يَقُولُونَ لَئِنْ مَاتَ محَمَّدٌ لَيَخْرَبُ دِينُهُ. فَلَمَّا كَانَ مَوْقِفُ الغَدِيرِ قَالُوا: بَطَلَ كَيْدُنَا. فَنَزَلَتْ: {الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ واخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} (الآية).[10]
[1] الآيات 31 إلي 35، من السورة 75: القيامة.
[2] الآية 15، من السورة 10: يونس. والآية كاملة: {وَ إِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ}.
[3] اقتباس من الآيات 21 إلي 23، من السورة 72: الجنّ؛ لأنَّ في الآيات الكريمة أوّلًا: ضَرًّا ولَا رَشَدًا، وثانياً لم ترد عبارة: إن عَصَيْتُهُ.
[4] الآيتان 10 و11، من السورة 73: المزّمّل.
[5] الآيتان 15 و16 والآية 18، من السورة 77: المرسلات.
[6] الآية 53، من السورة 10: يونس.
[7] «المناقب» ج 1، ص 537 إلي 538؛ و«الغدير» ج 4، ص 124. جاء في البيت الرابع في «المناقب»: يَجْدُونَهَا بجيم معجمة؛ وفي «الغدير» بحاء مهملة: يَحْدُونَهَا. والمفاد فيهما واحد. وضمير المؤنّث يرجع إلي الخلافة.
[8] «مناقب ابن شهرآشوب» ج 1، ص 535 إلي 538، الطبعة الحجريّة.
[9] «مناقب ابن شهرآشوب» ج 1، ص 538؛ و«الغدير» ج 4، ص 125.
[10] «مناقب ابن شهرآشوب» ج 1، ص 538.