نقل عن البشنويّ أيضاً، أنه أنشد قائلًا:
فَقَالَ كَبِيرُهُمْ مَا الرَّأيُ فِيمَا *** تَرَوْنَ يَرُدُّ ذَا الأمْرِ الجَلِيّ
سَمِعْتُمْ قَوْلَهُ قَوْلًا بَلِيغَاً *** وأوْصَى بِالخِلَافَةِ في عَلِيّ
فَقَالُوا حِيلَةٌ نُصِبَتْ عَلَيْنَا *** ورَأيٌ لَيْسَ بالعَقْدِ الوَفِيّ
نُدَبِّرُ غَيْرَ هَذَا في امُورٍ *** نَنَالُ بِهَا مِنَ العَيْشِ السَّنِيّ
سَنَجْعَلُهَا إذَا مَا مَاتَ شُورَى *** لِتَيْمِيّ هُنَالِكَ أوْ عَدِيّ[1]
وقال ابن شهرآشوب أيضاً: وروي أنَّ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم لمّا فرغ من غدير خمّ وتفرّق الناس، اجتمع نفر من قريش يتأسّفون على ما جرى. فمرّ بهم ضبّ، فقال بعضهم: ليت محمّداً أمر علينا هذا الضبّ دون عليّ.
فسمع ذلك أبو ذرّ الغفاريّ، فحكي ذلك لرسول الله. فبعث رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم إليهم وأحضرهم وعرض عليهم مقالتهم. فأنكروا وحلفوا أنهم لم يقولوا ذلك، فأنزل الله هذه الآية: {يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا ولَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ وهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا وما نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْناهُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْراً لَهُمْ وإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذاباً أَلِيماً فِي الدُّنْيا والْآخِرَةِ وما لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ ولا نَصِيرٍ}.[2]
فقال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: مَا أظَلَّتِ الخَضْرَاءُ ومَا أقَلَّتِ الغَبْرَاءُ عَلَى ذِي لَهْجَةٍ أصْدَقُ مِنْ أبِي ذَرٍّ.[3]
وفي رواية أبي بصير عن الإمام الصادق عليه السلام في خبر أنَّ النَّبِيّ صلّى اللهُ عَلَيهِ وآلِهِ قَالَ: أمَّا جَبْرَئِيلُ نَزَلَ عَلَيّ وأخْبَرَنِي أنهُ يُؤْتَى يَوْمَ القِيَامَةِ بِقَومٍ إمَامَهُمْ ضَبُّ؛ فَانْظُرُوا أنْ لَا تَكُونُوا اولَئكَ، فَإنَّ اللهَ تعالى يَقُولُ: {يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ}.[4]
ونقل ابن شهرآشوب أيضاً هذه الأبيات عن ابن الطوطيّ:
وَيَوْمَ غَدِيرٍ قَدْ أقَرُّوا بِفَضْلِهِ *** وفي كُلِّ وَقْتٍ مِنْهُمُ الغَدْرَ أضْمَرُوا
أرَى دَوْحَ خُمٍّ والنَّبِيّ محَمَّدَاً *** يُنَادِي بِأعْلَى الصَّوْتِ مِنْهُمْ ويَجْهَرُ
ألَسْتُ إذَنْ أوْلَى بِكُمْ مِنْ نُفُوسِكُمْ *** فَقَالُوا: بَلَى والقَوْمُ في الجَمْعِ حُضَّرُ
فَقَالَ لَهُمْ: مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ مِنْكُمْ *** فَمَوْلَاهُ بَعْدِي حَيْدَرُ المُتَخَيَّرُ
فَوَالِ مَوَالِيهِ وعَادِ عَدُوَّهُ *** أيَا رَبِّ وانْصُرْهُ لِمَنْ ظَلَّ يَنْصُرُ
فَلَمَّا مَضَى الهَادِي لِحَالِ سَبِيلِهِ *** أبَانُوا لَهُ الغَدْرَ القَبِيحَ وأظْهَرُوا[5]
وروي في كتاب «ذخائر العقبى» بتخريج أحمد في مسنده عن البراء بن عازب رضي الله عنهما قال: كنّا عند النبيّ صلّى الله عليه سلّم في سفر فنزلنا بغدير خمّ. ثمّ نقل خطبة رسول الله، وقال في ذيلها: فَلَقِيَهُ عُمَرُ بَعْدَ ذَلِكَ فَقَالَ: هَنِيئاً لَكَ يَا ابْنَ أبِي طَالِبٍ! أصْبَحْتَ وأمْسَيْتَ مَوْلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ ومُؤْمِنَةٍ.[6]
وأخرج أحمد بن حنبل هذا الحديث في مناقبه عن عمر.[7]
وقال محبّ الدين الطبريّ أيضاً في كتاب «ذخائر العقبى»: عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ وقَدْ جَاءَهُ أعْرَابِيَّانِ يَخْتَصِمَانِ فَقَالَ لِعَلِيّ: اقْضِ بَيْنَهُمَا يَا أبَا الحَسَنِ. فَقَضَى عَلِيّ بَيْنَهُمَا. فَقَالَ أحَدُهُمَا: هَذَا يَقْضِي بَيْنَنَا؟! فَوَثَبَ إلَيهِ عُمَرُ وأخَذَ بِتَلْبِيبِهِ وقَالَ: وَيْحَكَ! مَا تَدْرِي مَنْ هَذَا؟! هَذَا مَوْلَايَ ومَوْلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ! ومَنْ لَمْ يَكُنْ مَوْلَاهُ فَلَيْسَ بِمُؤْمِنٍ.[8]
وأخرج ابن السمّان هذا الحديث أيضاً في كتاب «الموافقة».
وذكره ابن الأثير الجَزَريّ هكذا: فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ: يَا بْنَ أبِي طَالِبٍ! أصْبَحْتَ الْيَومَ وَلِيّ كُلِّ مُؤْمِنٍ.[9]
وذكرها بهذه العبارة خواندمير: غياث الدين بن همام الدين الحسينيّ، وهو من أهل السنّة في تأريخه بعد عرض واقعة الغدير ونزول آية التبليغ وتبيان حديث الولاية: مَنْ كُنْتُ مَولَاهُ فَهَذا عَلِيّ مَولَاهُ. اللَهُمَّ وَالِ مَنْ وَالاهُ، وعَادِ مَنْ عَادَاهُ، وانْصُرْ مَنْ نَصَرَهُ، واخْذُلْ مَنْ خَذَلَهُ، وأدِرِ الحَقَّ مَعَهُ حَيْثُ كَانَ. ثمّ جلس أمير المؤمنين كرّم الله وجهه بأمر من النبيّ صلّى الله عليه و آله وسلّم في خيمة ليزوره الناس ويهنّئوه، وفيهم أمير المؤمنين عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ فَقَالَ: بَخٍّ بَخٍّ يَا بْنَ أبِي طَالِبٍ! أصْبَحْتَ مَوْلَائي ومَوْلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ ومُؤْمِنَةٍ.[10]
ثمّ أمر النبيّ امّهات المؤمنين بالدخول على أمير المؤمنين وتهنئته.[11]
ونقل مير محمّد بن خاوند شاه المعروف بمير خواند في تأريخه هذه العبارات نفسها باللغة الفارسيّة.[12]
[1] «المصدر السابق»، ص 539.
[2] الآية 74، من السورة 9: التوبة.
[3] «مناقب ابن شهرآشوب» ج 1، ص 539.
[4] «نفس المصدر السابق».
[5] «مناقب ابن شهرآشوب» ج 1، ص 539.
[6] «ذخائر العقبي» ص 67.
[7] «نفس المصدر السابق».
[8] «ذخائر العقبي» ص 68.
[9] «اسد الغابة» ج 4، ص 28.
[10] جاء في نسخة الكتاب «مولائي» بالألف الممدودة. وهذا سهو لأنَّ مَوْلَي على وزن مَفْعَل بالألف المقصورة.
[11] «حبيب السير» ج 1، ص 411، طبعة حيدري.
[12] «روضة الصفا» ج 2، الطبعة الحجريّة، وقائع السنة العاشرة من الهجرة.