يقول السيّد محمّد رشيد رضا: «يقول أهل السنّة: إنَّ الحديث لا يدلّ على ولاية السلطة التي هي الإمامة أو الخلافة. ولم يستعمل هذا اللفظ في القرآن بهذا المعنى. بل المراد بالولاية فيه، ولاية النصرة والمودّة التي قال الله فيها في كلّ من المؤمنين والكافرين: {بعضهم أولياء بعض}. ومعنى الحديث: «من كنت ناصراً ومواليا له فعليّ ناصره ومواليه»؛ أو «من والاني ونصرني فليوال عليّاً وينصره». وحاصل معناه أنه يقفو أمر النبيّ فينصر من ينصر النبيّ. وعلى من ينصر النبيّ أن ينصره عليّ عليه السلام.
وهذه مزية عظيمة. وقد نصر كرّم الله وجهه أبا بكر، وعمر، وعثمان ووالاهم. فالحديث ليس حجّة على من والاهم مثله، بل حجّة له على من يبغضهم ويتبرّأ منهم. وإنَّما يصحّ أن يكون حجّة على من والى معاوية ونصره عليه.
فهو لا يدلّ على الإمامة بل يدلّ على نصره إماماً ومأموماً، ولو دلّ على الإمامة عند الخطاب، لكان إماماً مع وجود النبيّ؛ والشيعة لا تقول بذلك.
وللفريقين أقوال في ذلك لا نحبّ استقصاءها والترجيح بينها، لأنها من الجدل الذي فرّق بين المسلمين، وأوقع بينهم العداوة والبغضاء.
وما دامت عصبيّة المذاهب غالبة على الجماهير، فلا رجاء في تحرّيهم الحقّ في مسائل الخلاف، ولا في تجنّبهم ما يترتّب على الخلاف من التفرّق والعداء.
ولو زالت تلك العصبيّة ونبذها الجمهور، لما ضرّ المسلمين حينئذٍ ثبوت هذا القول أو ذاك، لأنهم لا ينظرون فيه حينئذٍ إلّا بمرآة الإنصاف والاعتبار، فيحمدون المحقّين، ويستغفرون للمخطئين.
{رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا ولِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ ولا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا إِنَّكَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ}.[1]
أمّا نحن فقد أبنّا بحول الله وقوّته إبانة الشمس الساطعة أنَّ معنى الولاية هو مقام العبوديّة المحضة ورفع الحجاب بين المعبود وعبده، وشرط ذلك القُرب الملازم للسيطرة التكوينيّة على عالم الملك والملكوت، الذي لا تبارحه الرئاسة والإمارة والإمامة، إذ هي من شئونه ولوازمه التي لا تنفصل عنه؛ والفصل بينهما، بخاصّة في خطبة رسول الله ومع هذه القرائن والشواهد الجمّة، أمر لا يقرّه العقل.
فالحديث يدلّ على الولاية المتمثّلة بإمارة أمير المؤمنين، كما يدلّ على وجوب موالاة مواليه كسلمان، وأبي ذرّ، والمقداد، وعمّار ومَنْ يَحْذُو حَذْوَهُمْ؛ وعلى وجوب معاداة أعدائه أيّاً كانوا. ذلك أنَّ التَّوَلِّي والتَّبَرِّي ركنان من الأركان الثابتة للمذهب من وحي هذا المنطلق. أمّا النقاشات المتحيّزة فهي خاطئة وعقيمة دائماً، بيد أنَّ النقاش الذي يتوخّى تقصّي الحقائق واستنتاج الرأي الصحيح، ومعرفة المحقّ من المفسد والمنصف من المُدغِل المكابر لتشييد الآراء على أساس مذهب صحيح، واتّباع الحقّ دون الباطل فهو ممدوح ولازم بل وضروريّ. وأني لنا معرفة المذهب الصحيح من غير الصحيح ما لم نتوفّر على بحث دقيق وصحيح في التأريخ التحليليّ للصحابة في صدر الإسلام؟
وحينئذٍ على أيّ منهج من المناهج نرسّخ آراءنا وعقائدنا وأخلاقنا وأعمالنا؟ فمعرفة الصحابة واسلوب تفكيرهم ضروريّ لنا. وكلّ من كان من أهل التمحيص والتنقيب والبحث عن المذهب الصحيح، لا يمكنه أن يتملّص من هذه المسألة، فيتّبعهم اتّباعاً أعمى بلا معرفة تَقْلِيدَاً لِبَعْضِ السَّلَفِ؛ وهذه خلاف الدعوة الإسلاميّة. وسنتحدّث عن هذا الموضوع إن شاء الله.
وأمّا ما قاله إنّنا لا نحبّ استقصاء آراء الفريقين: الشيعة والسنّة والترجيح بينهما؛ فالواضح أنَّ هذا الاستقصاء سيؤدّي إلى بروز أعراض الخجل على وجوه أنصار الصحابة؛ ويبلغ بنا في البحث الكلاميّ نقطة تستبين فيها الحقيقة كالشمس في رائعة الضحى، أنَّ تلك الشرذمة قد غصبت حقّ عليّ بن أبي طالب غصباً لا مراء فيه، وسجّرت النار في باب بضعة الرسول. وحينئذٍ فمن الطبيعيّ أنَّ مصلحة المتمسّكين بهذا الرأي تتطلّب أن لا يستقصوا ولا يرجّحوا!
أمّا مهمّة الباحث النزيه فتتمثّل في أن يتابع الموضوع متابعة دقيقة وأن يوفيه حقّه في أيّ بحث، ويعرض الحقّ بلا تحيّز لفرقة من الفرق، ويضعه في متناول أيدي الباحثين والقرّاء؛ وحينئذٍ سيتعرّف الناس على الحقيقة ويختارون طريقهم، فلا يتحمّل الباحث مسؤوليّة ذلك. والإنسان الكاتب بخاصّة في المسائل الكلاميّة التي تمسّ عقائد الناس في الصميم ينبغي أن يكون أميناً، ذلك أنه يكون مرجعاً لأجيال تتّخذ رأيه حجّة بوصفه مستشاراً والمُسْتَشَارُ مُؤْتَمَنٌ.
إنَّ عليّ بن أبي طالب الذي يقرّ المخالفون بأنه الوحيد رجل الحقّ والاستقامة الحقيقيّ، والأعلم والأفضل والأورع والأشجع والأعرف بكتاب الله وسنّة رسوله، ومع سابقته في التوحيد والإخلاص والإيمان والإيقان والإيثار والعبوديّة المحضة للّه، وتضحيته الخالصة لرسوله الأكرم في السرّاء والضرّاء واليسر والعسر، قد اقصي من القيادة بلا دليل مقنع، فَلِمَ حدث ذلك؟ وبأيّ دليل..؟
[1] «تفسير المنار» الشيخ محمّد عبده، ج 6، ص 465 و466. وهذه الفقرة جزء من الآية 1، من السورة 59: الحشر.