ألم يكن رسول الله أعرف منكم في تعيين عليّ وصيّاً له وتفويض امور المسلمين بالولاية الكلّيّة الإلهيّة إليه؟ ألم يلقّبه أميرَ المؤمنين، ويأمر امّته وشيوخ قريش وحتّى زوجاته بعد فراغه من خطبة الغدير أن يسلّموا عليه ويهنّئوه بإمرة المؤمنين قائلين: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ؟ وهل علمتم أنتم عدم كفاءته للحكومة ولم يعلم الله ورسوله ذلك؟
ألم ترووا في كتبكم أنَّ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم قال: مَا أنْزَلَ اللهُ آيَةً فِيهَا {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} إلَّا وعَلِيّ رَأسُهَا وأمِيرُهَا.[1]
وسمّي رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم عليّاً: أمِيرَ البَرَرَةِ وإمَامَ البَرَرَةِ.
وروى الحمّوئيّ بسنده عن عبد الرحمن بن بَهْمان قال: سمعت جابر بن عبد الله الأنصاريّ قال: سمعت النبيّ صلّى الله عليه وآله وهو آخذ بضبع عليّ يوم الحديبيّة وهو يقول: هَذَا أمِيرُ البَرَرَةِ، قَاتِلُ الفَجَرَةِ، مَنْصُورٌ مَنْ نَصَرَهْ، مَخْذُولٌ مَنْ خَذَلَهُ قَالَ جَابِرٌ مَدَّ بِهَا صَوْتَهُ.[2]
وروى موفّق بن أحمد الخوارزميّ، عن ابن منصور شهردار بن شيرويه الديلميّ بسنده عن الأصبغ بن نباتة قال: لَمَّا اصِيبَ زَيْدُ بْنُ صُوحَان يَوْمَ الجَمَلِ أتَاهُ عَلِيّ عَلِيهِ السَّلَامُ وبِهِ رَمَقٌ؛ فَوَقَفَ عَلَيهِ وهُوَ لِمَا بِهِ فَقَالَ: رَحِمَكَ اللهُ يَا زَيْدُ، فَوَ اللهِ مَا عَرَفْنَاكَ إلَّا خَفِيفَ المَؤُونَةِ كَثِيرَ المَعُونَةِ! قَالَ: فَرَفَعَ إلَيهِ رَأسَهُ وقَالَ: أنْتَ مَوْلَايَ يَرْحَمُكَ اللهُ، فَوَ اللهِ مَا عَرَفْتُكَ إلَّا بِاللهِ عَالِمَاً، وبِآيَاتِهِ عَارِفَاً! واللهِ مَا قَاتَلْتُ مَعَكَ مِنْ جَهْلٍ ولَكِنِّي سَمِعْتُ حُذَيْفَةَ بْنَ اليَمَانِ يقولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلّى اللهُ عَلَيهِ وآلِهِ وسَلَّمَ يَقُولُ: عَلِيّ أمِيرُ البَرَرَةِ، وقَاتِلُ الفَجَرَةِ، مَنْصُورٌ مَنْ نَصَرَهْ، مَخْذُولٌ مَنْ خَذَلَهُ ألَا وإنَّ الحَقَّ مَعَهُ ويَتْبَعُهُ. ألَا فَمِيلُوا مَعَهُ.[3]
وفي رواية ابن عساكر أن رسول الله صلّى الله عليه وآله قال: عَلِيّ إمَامُ البَرَرَةِ، وقَاتِلُ الفَجَرَةِ، مَنْصُورٌ مَنْ نَصَرَهْ، مَخْذُولٌ مَنْ خَذَلَهُ.[4]
وروى أبو نعيم الإصفهانيّ عن معاذ بن جبل أنه قال: قَالَ النَّبِيّ صلّى اللهُ عَلَيهِ وَ آلِهِ وسَلَّمَ: يَا عَلِيّ! أخْصِمُكَ بِالنُّبُوَّةِ ولَا نُبُوَّةَ بَعْدِي! وَتَخْصِمُ النَّاسَ بِسَبْعٍ! ولَا يُحَاجُّكَ فِيهَا أحَدٌ مِنْ قُرَيْشٍ! أنْتَ أوَّلُهُمْ إيمَانَاً، وأوْفَاهُمْ بِعَهْدِ اللهِ، وأقْوَمُهُمْ بِأمْرِ اللهِ، وأقْسَمُهُمْ بِالسَّوِيَّةِ، وأعْدَلُهُمْ في الرَّعِيَّةِ، وأبْصَرُهُمْ بِالقَضِيَّةِ، وأعْظَمُهُمْ عِنْدَ اللهِ مَزِيَّةً.[5]
فكيف يكون موقفنا من هذه النصوص التي اثرت عن رسول الله ومنحت عليّ بن أبي طالب عنوان الإمارة، وجعلته أميراً ورئيساً وقائداً للمسلمين، وعدّته أبصر الناس في كلّ أمر وأقومهم به؟ أليس من المخجل أن يُقصى بذريعة حداثة السنّ، وينصَّب بدله شيوخ لا يقاسون به أبداً؟
ولو كانت حداثة السنّ حائلًا دون الإمارة والحكومة، فلما ذا أمّر رسول الله اسامة بن زيد على الجيش؟ وكان شابّاً قد بلغ العشرين من عمره أو أقلّ، وفي الجيش مشيخة قريش وكبارها كأبي بكر، وعمر، جعلهم رسول الله تحت إمرته،[6] وأمر أن يتحرّك الجيش ويعجّلوا في إنفاذه.
فكيف يجوز أن يُعَيِّن حدث في العشرين من عمره رئيساً وأميراً على أبي بكر وعمر؟
ومن هذا المنطلق، عند ما غصب أبو بكر خلافة رسول الله بعد وفاته لم يعزل اسامة عن إمارة الجيش، ومع أنَّ اسامة كان حدثاً، إلّا أنَّ أبا بكر قال: لا أعزله عن الإمارة لأنَّ رسول الله نصبه، ولا اخالف أمر رسول الله. وحتّى أنه أخذ بلحية عمر وجرّها غاضباً عند ما أصرّ على عزله، وهدّده قائلًا: كيف اخالف رسول الله؟! استعمله رسول الله وأنا أعزله[7]؟!
بيد أنه خالف رسول الله في أصل الخلافة، وتربّع على أريكة الخلافة بلا مجوّز شرعيّ، مخالفاً النصوص الصريحة الدالّة على خلافة أمير المؤمنين عليه السلام.
كان يقول: اقاتل أهل الردّة؛ ولو منعوني عقالًا كانوا يعطونه رسول الله لقاتلتهم. غير أنه أخذ فدكاً من الزهراء عليها السلام علناً، ولم يجد في ذلك مخالفة لحكم رسول الله.
والأحاديث المتواترة التي رواها الفريقان كثيرة، منها قوله: أنَا مَدِينَةُ العِلْمِ وعَلِيّ بَابُهَا، ومَنْ أرَادَ مَدِينَةَ العِلْمِ فَلْيَأتِهَا مِنْ بَابِهَا.[8]
وقوله: أنَا دَارُ الحِكْمَةِ وعَلِيّ بَابُهَا.[9]
وقوله: أنَا مَدِينَةُ الجَنَّةِ وعَلِيّ بَابُهَا. كَذَبَ مَنْ زَعَمَ أنهُ يَدْخُلُ الجَنَّةَ مِنْ غَيْرِ بَابَهَا.[10]
ينبغي الدخول- إذَنْ- من باب الجنّة والعلم والحكمة، وذلك الباب هو باب بيت عليّ. فلو دخلتَ أيّها الداخل من باب أبي بكر فسوف لا تجني إلّا الخيبة والخسران. ما أجمل هذا البيت الذي نقله القاضي نور الله الشوشتريّ:
هست بى شبهه خَطَا چون بر بُتان نام خدا *** بر كسى غير از تو اطلاقِ أمير المؤمنين[11]
[1] «حلية الأولياء» ج 1، ص 64 عن محمّد بن عمر بن غالب، عن محمّد بن أحمد بن أبي خيثمة، عن عبّاد بن يعقوب، عن موسى بن عثمان الحضرميّ، عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عبّاس، عن رسول الله صلّى الله عليه وآله. وجاء في «تاريخ ابن عساكر» ج 2، ص 428 إلى 430 خمس روايات بأسناد مختلفة تحمل هذا المضمون، أو ما يماثله.
و قال ابن شهرآشوب في «المناقب»، ج 1، ص 546: روى جماعة من الثقات عن الأعمش، عن عباية الأسديّ، عن عليّ [بن أبي طالب، ورووا أيضاً عن] الليث، عن مجاهد والسدّيّ، عن أبي مالك؛ وابن أبي ليلي، عن داود بن عليّ، عن أبيه، وابن جريح عن عطاء وعكرمة وسعيد بن جبير، كلّهم عن ابن عبّاس؛ وروى العوّام بن حوشب عن مجاهد؛ وروى الأعمش، عن زيد بن وهب، عن حذيفة، كلّهم عن النبيّ صلّى الله عليه وآله أنه قال:
مَا أنْزَلَ اللهُ تعالى آيَةً في القُرْآنِ فِيهَا {يَا أيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا} إلَّا وعَلِيّ أمِيرُهَا وشَرِيفُهَا. وفي رواية حذيفة: إلَّا كَانَ لِعَلِيّ بْنِ أبِي طَالِبٍ لُبُّهَا ولُبَابُهَا. وفي روايات: إلَّا وعَلِيّ رَأسُهَا وأمِيرُهَا. وفي رواية يوسف بن موسى القطّان ووكيع بن الجرّاح: أمِيرُهَا وشَرِيفُهَا. وفي رواية إبراهيم الثقفيّ وأحمد بن حنبل وابن بطّة العكبريّ عن عكرمة، عن ابن عبّاس: إلَّا وعَلِيّ رَأسُهَا وشَرِيفُهَا وأمِيرُهَا. وفي صحيفة الرضا عليه السلام: ليس في القرآن {يَا أيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا} إلّا في حقّنا، ولا في التوراة {يَا أيُّهَا النَّاسُ} إلّا فينا.
[2] «فرائد السمطين» ج 1، ص 157، الباب 32، الحديث 119؛ و«غاية المرام» القسم الأوّل، ص 17، الحديث السابع. ونقل ابن شهرآشوب في «المناقب» ج 1، ص 548 و549 أنَّ الخطيب البغداديّ ذكر هذه القضيّة في ثلاثة مواضع من «تاريخ بغداد».
[3] «مناقب الخوارزميّ» ص 111، الفصل الثاني، قتال أهل الجمل، طبعة النجف؛ و«غاية المرام» القسم الأوّل، ص 21 و22، الحديث 42.
[4] كتاب «الإمام المهاجر» تأليف محمّد ضياء شهاب، وعبد الله بن نوح. وهو مؤلّف في ترجمة أحمد بن عيسي بن محمّد بن عليّ العريضيّ بن الإمام جعفر الصادق عليه السلام. ص 154.
[5] «حلية الأولياء» ج 1، ص 65.
[6] قال ابن الأثير الجزريّ في «الكامل في التاريخ» ج 2، ص 317، طبعة بيروت، سنة 1385 هـ: في المحرّم من السنة الحادية عشرة ضرب النبيّ بعثاً إلى الشام وأميرهم اسامة بن زيد، وهو ابن زيد مولاه. وأمره أن يوطئ الخيل تخوم البلقاء والداروم من أرض فلسطين. فتكلّم المنافقون في إمارته وقالوا: أمّر غلاماً على جلّة المهاجرين والأنصار. فقال رسول الله صلّى الله عليه وآله: إنْ تَطْعَنُوا في إمَارَتِهِ فَقَدْ طَعَنْتُمْ في إمَارَةِ أبِيهِ مِنْ قَبْلُ، وإنَّهُ لَخَلِيقٌ لِلإمَارَةِ، وكَانَ أبُوهُ خَلِيقَاً لَهَا. وأوْعَبَ مَعَ اسَامَةَ المُهَاجِرُونَ الأوَّلُونَ، مِنْهُمْ: أبُو بَكْرٍ وعُمَرَ.
[7] «شرح نهج البلاغة» لابن أبي الحديد، ج 17، ص 183؛ و«الكامل في التاريخ» لأبن الأثير، ج 2، ص 35.
[8] «تاريخ دمشق» لابن عساكر، ج 2، ص 464 إلي 480. نقل المؤلّف روايات جمّة بهذا المضمون.
[9] «تاريخ دمشق» ج 2، ص 459.
[10] «نفس المصدر السابق».
[11] «مجالس المؤمنين» ص 287، في الربع الأخير من الصفحة.
يقول: «لا جرم أنَّ من الخطأ إطلاق اسم الله على الآلهة (الأوثان) كما أنَّ من الخطأ إطلاق لقب أمير المؤمنين على غيرك يا عليّ».