روى ابن أبي الحديد أيضاً بسنده عن الإمام الباقر عليه السلام أنه قال: مَرَّ عُمَرُ بِعَلِيّ وعِنْدَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ بِفِنَاءِ دَارِهِ، فَسَلَّمَ، فَسَألَاهُ: أيْنَ تُرِيدُ؟ فَقَالَ: بِيَنْبُعٍ،[1] قَالَ عَلِيّ: أفَلَا نَصِلُ جَنَاحَكَ ونَقُومُ مَعَكَ؟! فَقَالَ: بَلَى! فَقَالَ لِابْنِ عَبَّاسٍ: قُمْ مَعَهُ. قَالَ: فَشَبَّكَ أصَابِعَهُ في أصَابِعِي ومَضَى، حتّى إذَا خَلَّفْنَا البَقِيعَ، قَالَ: يَا بْنَ عَبَّاسٍ، أمَا واللهِ أنْ كَانَ صَاحِبُكَ هَذَا أوْلَى النَّاسِ بِالأمْرِ بَعْدَ وَفَاةِ رَسُولِ اللهِ، إلَّا أنا خِفْنَاهُ عَلَى اثْنَتَيْنِ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَجَاءَ بِمَنْطِقٍ لَمْ أجِدْ بُدَّاً مَعَهُ مِنْ مَسْألَتِهِ عَنْهُ، فَقُلْتُ: يَا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ! مَا هُمَا؟! قَالَ: خَشِينَاهُ على حَدَاثَةِ سِنِّهِ وحُبِّهِ بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ.[2]
وبعد أن استبان أنَّ عمر وأعوانه كانوا يقرّون بأنَّ عليّ بن أبي طالب كان أولى وأحقّ بالخلافة؛ ففي ضوء الموازين الدينيّة، ينبغي الوقوف بوجه المتخلّف وإبعاده عن الساحة. وينبغي إرغامه على الحقّ، لا أن يُترَك الحقّ تطييباً لخاطره. ولو لم يكن اولئك المنتخبون للخلافة هم أنفسهم من أقطاب المعارضة ضدّ عليّ بن أبي طالب، لكان واجبهم الشرعيّ والعقليّ بعد وفاة الرسول الأعظم التشمير عن ساعد الجدّ والتأهّب عن الحقّ وإرجاعه إلى أهله، والانضواء تحت راية عليّ عليه السلام طوعاً. فهذا هو الصراط السوى. لا أنهم، مضافاً إلى عدم إرجاعهم الحقّ إلى أهله، يتواطؤون مع قريش، ويتكتّلون ضدّ الإمام، ويشغلون منصبه عنوة، ويقسرونه على بيعة رجل لم يؤمنوا بكفاءته وكانت بيعته فلتة،[3] ويكسرون ضلع الزهراء إمضاءً لقريش وجذباً لقلوبهم، ويضرب قنفذ غلام أبي بكر عضدها بأمر عمر ضرباً ترك أثره كالدمّل حتّى وفاتها!
وأشخص أبو بكر عمر وخالد بن الوليد إلى دار الإمام لجلبه، وأمرهما أن لو تعلّقت فاطمة بعليّ وحالت دون مجيئه، فافصلوها عنه؛ فلهذا فصلوا فاطمة بهذا الاسلوب، وأخذ عمر سيف عليّ ورماه، وأوكل أمره إلى خالد بن الوليد ليقتاده إلى المسجد بمؤازرة أعوانه. وامتنع أمير المؤمنين من الذهاب إلى المسجد؛ فدفعوه بقبضاتهم حتّى أوصلوه.[4]
[1] يَنْبُع- بفتح الياء وسكون النون وضمّ الباء الموحّدة وعين مهملة- موضع عامر فيه ماء وشجر وزرع. وهي عن يمين رَضْوَي لمن كان منحدراً من المدينة إلي البحر. على ليلة من رضوي؛ ومن المدينة على سبع مراحل. («معجم البلدان»).
[2] «شرح نهج البلاغة» ج 2، ص 57، ضمن الخطبة 26، طبعة دار إحياء الكتب العربيّة.
[3] فَلْتَة: الأمر يقع فجأة من غير تدبّر وإحكام.
[4] «شرح نهج البلاغة» لابن أبي الحديد، ج 2، ص 56 و57، طبعة دار إحياء الكتب العربيّة.