عند ما تحدّث أبو عبيدة الجرّاح، وعبد الرحمن بن عوف في السقيفة عن فضل قريش والمهاجرين أمام الأنصار، قام المنذر بن الأرقم فقال: مَا نَدْفَعُ فَضْلَ مَنْ ذَكَرْتَ وإنَّ فِيهُمْ لَرَجُلًا لَوْ طَلَبَ هَذَا الأمْرَ لَمْ يُنَازِعْهُ أحَدٌ، يَعْنِي عَلِيّ بْنَ أبِي طَالِبٍ.[1]
قال ابن أبي الحديد: قال البراء بن عازب: لم أزل لبني هاشم محبّاً. فلمّا قبض رسول الله صلّى الله عليه وآله و سلّم، خفت أن تتمالأ قريش على إخراج هذا الأمر عنهم، فأخذني ما يأخذ الوالهة العَجُول، مع ما في نفسي من الحزن لوفاة رسول الله صلّى الله عليه وآله.
فكنت أتردّد إلى بني هاشم وهم عند النبيّ في الحجرة، وأتفقّد وجوهَ قريش، فإنّي كذلك إذ فقدت أبا بكر عمر. وإذا قائل يقول: القوم في سقيفة بني ساعدة. وإذا قائل آخر يقول: قد بويع أبا بكر.
فلم ألبث، وإذا أنا بأبي بكر قد أقبل ومعه عمر، وأبو عبيدة، وجماعة من أصحاب السقيفة. وهم محتجزون بالازُر الصنعانيّة لا يمرّون بأحد إلّا خبطوه، وقدّموه فمدّوا يده فمسحوها على يد أبي بكر يبايعه؛ شاء أم أبي.
فأنكرتُ عقلي، وخرجت أشتدّ حتّى انتهيت إلى بني هاشم وكانوا مشغولين بتجهيز النبيّ والباب مغلق. فضربت عليهم الباب ضرباً عنيفاً، وقلت: قد بايع الناس لأبي بكر بن أبي قُحافة.
فقال العبّاس بن عبد المطّلب: تَرِبَتْ أيديكم إلى آخر الدهر يا بني هاشم! أما إنّي قد أمرتكم، فعصيتموني!
فمكثتُ اكابد ما في نفسي، ورأيت في الليل المقداد، وسلمان، وأبا ذر، وعُبَادَة بن الصامت، وأبا الهيثم بن التَّيِّهان، وحذيفة، وعماراً، وهم يريدون أن يردّوا بيعة أبي بكر، ويعيدوا الأمر شورى بين المهاجرين.[2] وبلغ ذلك أبا بكر، وعمر، فأرسلا إلى أبي عبيدة، وإلى المغيرة بن شعبة، فسألاهما عن الرأي. فقال المغيرة: الرأي أن تلقوا العبّاس فتجعلوا له ولولده في هذه الإمرة نصيباً، ليقطعوا بذلك ناحية عليّ بن أبي طالب!
[1] «تاريخ اليعقوبيّ» ج 2، ص 123، طبعة بيروت.
[2] جاء هذا التعبير في رواية ابن أبي الحديد الشافعيّ المعتزليّ. وأمّا ما ورد في روايات الشيعة فهو أنهم يريدون أن يبايعوا أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام.