قبل أن يموت عمر اختار ستّة من المسلمين كشورى لتعيين الخليفة، وجعل الأمر على نحو لا يصل فيه عليّ بن أبي طالب عليه السلام إلى الخلافة بكلّ حال من الأحوال، إذ حدّد ثلاثة أيّام للتشاور، وأوصى بالعمل بما يقوله عبد الرحمن بن عوف. ولمّا كان عبد الرحمن بن عوف- الذي تربطه بعثمان علاقة المصاهرة يعلم أنَّ عليّاً عليه السلام لا يعتني ببدع الشيخين، عرض عليه شرط العمل بسنّة الشيخين بعد مضى ثلاثة أيّام وانتهاء المدّة المحدّدة، وما أراد بشرطه إلّا أن يلقمه حجراً فقال له: تعمل بكتاب الله وسنّة نبيّه وسيرة الشيخين؟ فقال عليه السلام: أعمل بكتاب الله وسنّة نبيّه ومبلغ علمي.
فالتفت عبد الرحمن إلى عثمان، وكان يعرفه جيّداً، وعرض عليه الشرط المشار إليه، فقبل به فبايعه.
عندئذٍ قال الإمام عليه السلام لعبد الرحمن: حبوتَهُ! ليس هذا أوّل يوم تظاهرتهم فيه علينا، {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ واللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ}.[1] والله ما ولّيت عثمان إلّا ليردّ الأمر إليك، والله {كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ}.[2]
فقال عبد الرحمن للإمام: يا عليّ بايع و لا تجعل على نفسك سبيلًا! فإنِّي قد نظرت وشاورت الناس،[3] فإذا هم لا يعدلون بعثمان. فخرج عليّ وهو يقول: سَيَبْلُغُ الكِتَابُ أجَلَهُ.[4]
فقال المقداد: يا عبد الرحمن! أمَا واللهِ لَقَدْ تَرَكْتَهُ مِنَ الَّذِينَ يَقْضُونَ بِالحَقِّ وبِهِ يَعْدِلُونَ. مَا رَأيْتُ مِثْلَ مَا اوتِيَ إلَى أهْلِ هَذَا البَيْتِ بَعْدَ نَبِيِّهِمْ؛ إنِّي لأعْجَبُ مِنْ قُرَيْشٍ إنَّهُمْ تَرَكُوا رَجُلًا مَا أقُولُ: إنَّ أحداً أعْلَمُ ولَا أقْضَى منْهُ بِالعَدْلِ. أمَا واللهِ لَوْ أجِدُ عَلَيْهِ أعْوَانَاً. فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: يَا مِقْدَادُ اتَّقِ اللهَ فَإنِّي خَائِفٌ عَلَيْكَ الفِتْنَةَ.[5]
امتنع أمير المؤمنين عليه السلام من بيعة عثمان. فقال عبد الرحمن: فَلَا تَجْعَلْ يَا عَلِيّ سَبِيلًا إلَى نَفْسِكَ فَإنَّهُ السَّيْفُ لَا غَيْرُ.[6] ذلك أنَّ عمر أوصى بضرب عنق من خالف عثمان. قال الطبريّ: وتَلَكَأ عَلِيّ، فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: فَمَن نكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ على نَفْسِهِ.[7] ولا جرم أنَّ عمر كان يستهدف من وراء تشكيل الشورى الستّة: عليّ، عثمان، سعد بن أبي وقّاص، عبد الرحمن بن عوف، طلحة، الزبير، استخلاف عثمان.
[1] الآية 18، من السورة 12: يوسف.
[2] الآية 29، من السورة 55: الرحمن: {يَسْئَلُهُ مَنْ فِي السَّماواتِ والْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ}.
[3] قول عبد الرحمن: «شاورت الناس» غير موجود في «تاريخ الطبريّ» طبعة الحسينيّة المصريّة، سنة 1326 هـ، ولا في «الكامل» لابن الأثير. ولعلّه من الإضافات في الطبع. وعلى فرض أنَّ عبد الرحمن قاله، فقد كذب، لأنه لو كان صادقاً، لقال لكبار الصحابة الذين نقموا على عثمان، واعترضوا على ما جنت يداه: هذا ما أردتموه وقد شاورتكم. لكنّه لم يعتذر إليهم بهذا العذر واكتفي بقوله للصحابة: ... ولكن للّه عَلَيّ أن لا اكلّمه أبداً، ولم يكلّمه. ولمّا مرض عبد الرحمن ودخل عليه عثمان عائداً تحوّل عنه إلي الحائط ولم يكلّمه («العقد الفريد» ج 3، ص 73». وليت شعري هل عدم تكليمه يكفّر ذنبه إذ جعل الامّة الإسلاميّة تحت قبضة إنسان أنانيّ لم يفكّر إلّا في هواه وبطنه.
[4] الآية 235، من السورة 2: البقرة، تقول: {حَتَّى يَبْلُغَ الكِتَابُ أجَلَهُ و}.
[5] «تاريخ الطبريّ» ج 3، ص 297، طبعة مطبعة الاستقامة، القاهرة؛ وج 4، ص 233 طبعة دار المعارف بمصر؛ و«العقد الفريد» ج 3، ص 76.
[6] «الإمامة والسياسة» ص 26، طبعة مطبعة الامّة بدرب شغلان، سنة 1328 هـ.
[7] الآية 10، من السورة 48: الفتح.