إنَّ جميع المفاسد والخلافات قد انبثقت عن هذه الشورى، وكلّ ما حلّ بالمسلمين من مصائب كان بسببها. ومن الضروريّ أن نشير هنا إلى قصّة دقيقة نقلها ابن عبد ربّه الأندلسيّ في «العقد الفريد» قال: «ذكروا أنَّ زياداً أوفد ابن حصين على معاوية فأقام عنده ما أقام. ثمّ إنَّ معاوية بعث إليه فخلا به فقال له: يا بن حصين قد بلغني أنَّ عندك ذهناً وعقلًا! فأخبرني عن شيء أسألك عنه! قال: سلني عمّا بدا لك. قال معاوية: أخبرني ما الذي شتّت أمر المسلمين وأبلاهم وخالف بينهم؟ قال: قتل الناس عثمان! قال: ما صنعتَ شيئاً. قال ابن حصين: فمسير طلحة والزبير وعائشة وقتال عليّ إيّاهم. قال: ما صنعتَ شيئاً. قال: ما عندي غير هذا. قال معاوية: فأنا أخبرك به، إنَّه لم يشتّت بين المسلمين، ولا فرّق أهواءهم إلّا الشورى التي جعلها عمر إلى ستّة نفر. وذلك أنَّ الله بعث محمّداً بالهدى ودين الحقّ ليظهره على الدين كلّه ولو كره المشركون، فعمل بما أمره الله به ثمّ قبضه الله إليه، وقدّم أبا بكر للصلاة فرضوه لأمر دنياهم إذ رضيه رسول الله لأمر دينهم.
فعمل أبو بكر بسنّة رسول الله، وسار بسيره حتّى قبضه الله، واستخلف عمر فعمل بمثل سيرته، ثمّ جعلها عمر شورى بين ستّة نفر فلم يكن رجل منهم إلّا رجاها لنفسه ورجاها له قومه. وتطلّعت إلى ذلك نفسه. ولو أنَّ عمر استخلف عليهم كما استخلف أبو بكر ما كان في ذلك اختلاف».[1]
علمنا ممّا تقدّم أنَّ تصرّف عمر في الدين ليس تصرّفاً في مسائل جزئيّة، بل هو تصرّف في مسائل جوهريّة وجذريّة، ولا زال ذلك التصرّف قائماً بين أتباعه حيث لا يزال يأفل نجم الحقّ والولاية، وتتوارى الحقيقة خلف حجاب الغيب على كرور الأيّام.
ولمّا كانت التغييرات التي أحدثها عمر في الدين يُنْظَر إليها بوصفها تعاليم دينيّة، فإنَّ أتباعه ينظرون إليه بوصفه قدّيساً، ويحترمون سنّته كاحترام سنّة النبيّ صلّى الله عليه وآله، مع أنَّ العقل والشرع والضمير، كلّ اولئك يحكم بأن لا شيء جدير بالاتّباع غير الوحي الإلهيّ. وما لزوم اتّباع الأنبياء إلّا لأنهم يمثّلون وسائط الاتّصال بعالم الغيب. وما عدا ذلك، فإنَّ التقليد الأعمى مدان في جميع المراحل. ولقد تلاعب عمر بمنهج رسول الله، وأتى بأشياء من عنده، عرفت بسنّة عمر، وإذا ألحقنا بها الأشياء التي أحدثها الخليفة الأوّل، فإنَّها تعرف بسنّة الشيخين.
ويستبين من هنا أنَّ ضرر عمر على الإسلام الحقيقيّ والسنّة المحمّديّة كان أشدّ من ضرر أبي سفيان، وأبي لهب، وأبي جهل، ونظائرهم. لأنَّ هؤلاء- مع جميع العراقيل التي وضعوها في طريق الرسالة، وكافّة الحروب والمصائب التي أنزلوها بالإسلام والمسلمين، لا سيّما برسول الله- كانوا يقصدون صدّ رسول الله عن هدفه ظاهراً، وعدم تقدّم الإسلام في حقل الحكومة والرئاسة. وكانوا يطمحون أن يكونوا هم الرؤساء لا رسول الله. أمّا عمر فقد حال دون المعنويّة والولاية والعاطفة الإسلاميّة. وخلط سنّته بالدين، فقدّم إلى الامّة مزيجاً مغشوشاً. وأحدث عمر ثغرة في معنويّة الإسلام، وفرض نهجه على الناس تحت غطاء الدين. فلهذا نرى أنَّ نهج أبي سفيان وأمثاله قد امّحى ولا نصير له في العالم، بَيدَ أنَّ نهج عمر لا زال قائماً، حتّى تعذّر إقناع المسلم السنّيّ بأنَّ نهجه لا يقوم على دليل، وليس له حجّيّة شرعيّة. فالحجّة كتاب الله وسنّة رسول الله لا غير.
من هذا المنطلق، شُبِّه عمر في الروايات الشيعيّة بالسامريّ في قوم موسى، لأنَّ السامريّ أحدث في دين موسى على الصعيد المعنويّ، ما أدّى ببني إسرائيل إلى عبادة العِجْل. فإنه لم يكن حاكماً متعطّشاً للحكومة الظاهريّة الشكليّة فحسب، ذلك لأنَّ تأثير حبّ الرئاسة على الناس، لا سيّما الرئاسة المعنويّة، أكبر وأشدّ من تأثير سائر المعاصي، وهو يقود صاحبه إلى هاوية السقوط والبوار والهلاك بأسرع ما يكون، ويضيّع جميع المتاعب والجهود والعبادات والجهاد فيما مضى، ويترك ذلك كلّه طعمة لحريق الهوى.
[1] «قضاء أمير المؤمنين عليه السلام» للتستريّ، ص 281 و282، الطبعة العاشرة، بيروت.