قال فيه المرحوم الفقيه المحدّث الحكيم المفسّر العارف العظيم المولى محسن الفيض الكاشانيّ: كان عامّيّ المذهب حين تصنيف «إحياء العلوم» ثمّ تشيّع في آخر عمره، وصنّف كتاب «سرّ العالمين».[1]
ونفيد ممّا تقدّم أننا ينبغي أن لا نبالي بما يقوله بعض العلماء المعاصرين حول كتاب «سرّ العالمين»[2] إذ ينفون نسبته للغزّاليّ. لأنه مضافاً إلى كثير من الأدلّة التي يذكرونها وهي قابلة للتبرير، فإنَّ بعضها لا يمكن أن يعتبر إشكالًا ومؤاخذة. ولا يمكن بمجرّد الاستبعاد إنكار كتاب أو رسالة لشخص هو مؤلّفها، علماً أنَّ أهل الخبرة في علم الرجال والتراجم وعلم المصادر قد أيّدوا نسبة ذلك الكتاب أو تلك الرسالة إليه، ونقلوا الموضوعات الواردة فيهما منذ عصر المؤلّف إلى يومنا هذا في كتبهم.
ومن هؤلاء الذين نسبوا كتاب «سرّ العالمين» إلى الغزّاليّ: الذَّهَبِيّ في «ميزان الاعتدال»،[3] وابن حجر العسقلانيّ في «لسان العرب»،[4] وسبط بن الجوزيّ في «تذكرة خواصّ الامّة»،[5] وجرجي زيدان في «آداب اللغة العربيّة»،[6] والملّا محسن الفيض الكاشانيّ في «المحجّة البيضاء»،[7] والعلّامة محمّد باقر المجلسيّ في «بحار الأنوار»،[8] والعلّامة عبد الحسين الأمينيّ في «الغدير».[9]
وقال الطباطبائيّ الحسنيّ في مقدّمة كتاب «سرّ العالمين» طبعة النجف: ومن الذين نسبوا كتاب «سرّ العالمين» إلى الغزّاليّ: القاضي نور الله التُّستريّ في «مجالس المؤمنين»، والشيخ على بن عبد العالى الكَرَكيّ، وهو المحقّق الثاني فيما نقل عنه، والمولى محسن الفيض صاحب «الوافي»، والطريحيّ في «مجمع البحرين».
وقال العلّامة الطهرانيّ: ونسب إلى الغزّاليّ أيضاً في «تاج العروس»، و«الإتحاف في شرح الإحياء».[10]
أجل، عند ما أزلّ حبّ الرئاسة طلحة والزبير مع سابقتهما اللامعة، حتّى جمعا حولهما اثنى عشر ألف مقاتل، ونكثا البيعة، وشهرا سيفهما بوجه أمير المؤمنين الوليّ الأعلى في عالم الإمكان، مع معرفتهما به ومناصرته ودعمه في عصر رسول الله وبعده، وحرّضا عليه الناس المساكين والمستضعفين بتهمة مظلوميّة عثمان وقتل عليّ إيّاه- مع أنهما كانا من أقطاب المؤلّبين على قتله- وأراقا الدماء البريئة، عند ما يكون ذلك كلّه، فلا نعجب من عمل الشيخين معه، وهما المعروفان بسوابق مخالفتهما لنهج عليّ بن أبي طالب عليه السلام منذ اليوم الأوّل، وكان ذلك ملحوظاً منهما في عصر رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم.
من هذا المنطلق، تحرّم مدرسة التشيّع رئاسة مثل هؤلاء الأشخاص، وتحصر الإمامة بالوليّ المعصوم من هوى النفس وحبّ الرئاسة لكي تسير الامور على أساس الحقّ والواقع.
وكلّما ازداد علم الإنسان، تضاءل هواه. وكلّما كانت سوابقه أكثر، كانت مكائد نفسه أدقّ. وهنا تخطو النفس خطوتها عبر طريق مؤازرة الدين، ووجوب حماية الشريعة، ورعاية حقّ الفقراء والمحتاجين، وحفظ بيضة الإسلام، فتغصب حقّ عليّ باسم الدين، وتسلب فدكاً من بضعة رسول الله تحت غطاء حماية الفقراء والمساكين، وتكسر الباب، وتضغط الزهراء بين الباب والجدار، فتسقط إلى الأرض وتجهض جنينها من أجل المحافظة على كيان المسلمين. وتمّ ذلك كلّه باسم الدين وتحت غطاء المحافظة على القانون والشرع وكتاب الله. فنتج عنه تضييع الحقوق، وبروز ألوان الظلم والاعتداء، وعدم بلوغ عامّة الناس منهل الولاية للارتواء من شريعة الحياة ونمير المعنويّة سواء في ذلك العصر أم في أيّام حكومة بني اميّة وبني العبّاس، أو في العصور المتأخّرة. وما كان ذلك إلّا نتيجة لذلك الانحراف الأوّل الذي أدّى إلى تسلّط حكّام الجور على رقاب الناس، وقطع شريانهم الحياتيّ، وامتصاص دمائهم، واستغلال أموالهم وأرواحهم ونواميسهم، وذلك للمحافظة على عروشهم وتشييد بلا طاتهم وبيوتهم والالتذاذ بألوان الأطعمة والأشربة.
خشت اوّل چون نهد معمار، كج *** تا ثريّا مىرود ديوار، كج[11]
[1] «المحجّة البيضاء» للفيض الكاشانيّ، ج 1، ص 1.
[2] «غزالي نامه» (= كتاب الغزّاليّ) ترجمة الإمام أبي حامد محمّد بن محمّد بن أحمد الغزّاليّ الطوسيّ وآثاره وعقائده وأفكاره الأدبيّة والدينيّة والفلسفيّة والعرفانيّة. تأليف الاستاذ جلال الدين همائي، ص 272 إلي 274.
[3] ج 1، ص 50، قال أبو حامد الغزّاليّ في كتاب «سرّ العالمين»: شاهدت قصّة الحسن بن صبّاح ... إلي آخره.
[4] ص 215: وقال أبو حامد الغزّاليّ في كتاب «سرّ العالمين» ... إلي آخره.
[5] ص 36: وذكر أبو حامد الغزّاليّ في كتاب «سرّ العالمين وكشف ما في الدارين» ... إلي آخره.
[6] ج 4، ص 98: ومن كتب الغزّاليّ: 10- «سرّ العالمين وكشف ما في الدارين» يبحث في نظام الحكومات- نسخة منه خطّيّة في المكتبة الخديويّة، ونسخة في مكتبة برلين.
[7] ج 1، ص 1: إنَّ أبا حامد كان حين تصنيف «الإحياء» عامّي المذهب ولم يتشيّع بعد؛ وإنَّما رزقه الله هذه السعادة في أواخر عمره، كما أظهره في كتابه المسمّى بـ «سرّ العالمين» وشهد به ابن الجوزيّ الحنبليّ.
[8] ج 9، ص 236، طبعة كمباني: ولنعم ما قال الغزّاليّ في كتاب «سرّ العالمين».
[9] ج 1، ص 391، الهامش: لا شكّ في نسبة الكتاب إلي الغزّاليّ، فقد نصّ عليه الذهبيّ في «ميزان الاعتدال» في ترجمة الحسن بن صبّاح الإسماعيليّ، وينقل عنه قصّته؛ وصرّح بها سبط بن الجوزيّ في «التذكرة» ص 36 وشطراً من الكلام المذكور.
[10] «الذريعة» ج 12، ص 168. وذكر في هذه الصفحة أيضاً: «سرّ العالمين» كتاب آخر أيضاً في حقيقة الدنيا والعقبي، للشيخ الفقيه المفسّر نعمة الله بن يحيي الديلميّ تلميذ الشيخ البهائيّ. وقال في «رياض العلماء»: اخذ اسم هذا الكتاب من «سرّ العالمين» للغزّاليّ.
[11] وتعريبه: «إذا وضع المعمار اللبنة الاولي معوجّة، فإنَّ الجدار سيبقي معوجّاً وإن ارتفع إلي الثريّا».