لقد خلط الشيخان الدين بنهجهما، وكدّرا الماء الزلال النابع من العين الصافية، وسقياه الناس كما يشتهيان، ولوّثا الهواء الصافي بغبار أهوائهما حتّى يشمّه الناس كما يريدان.
أمّا أمير المؤمنين عليه السلام، وهو القسطاس المستقيم، فإنَّه لا يتجاوز كتاب الله وسنّة نبيّه، وحتّى في كلامه الظاهر لا يقول على سبيل التورية: أحترم سنّة الشيخين، طمعاً في الإعداد للحكومة واستنقاذها من أيدي الجبابرة. وعند ما أراد عبد الرحمن بن عوف أن يأخذ له البيعة بشرط العمل بكتاب الله وسنّة نبيّة وسيرة الشيخين، قال: أعمل بكتاب الله وسنّة نبيّه واجتهاد رأيي. فقد تنازل عن الرئاسة عند ما تقوم على سنّة الشيخين، علماً أنَّ قيامها على سنّة الشيخين باطل، وكذلك عند ما أراد عبد الرحمن أن يشرط عليه عدم تولية بني هاشم على الناس، لم يقبل وقال: من كان كفوءاً عندي أُوّليه، سواء كان من بني هاشم أو من غيرهم.
وذكر ابن قتيبة الدينوريّ: ثُمَّ أخَذَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بِيَدِ عَلِيّ فَقَالَ لَهُ: ابَايِعُكَ على شَرْطِ عُمَرَ أنْ لَا تَجْعَلْ أحَداً مِنْ بَنِي هَاشِمٍ على رِقَابِ النَّاسِ!
فَقَالَ عَلِيّ عِنْدَ ذَلِكَ: مَا لَكَ ولِهَذَا إذَا قَطَعْتَهَا في عُنُقِي؟! فَإنَّ عَلَيّ الاجْتِهَادَ لُامَّةِ مُحَمَّدٍ. حَيْثُ عَلِمْتُ القُوَّةَ والأمَانَةَ اسْتَعَنْتُ بِهَا، كَانَ في بَنِي هَاشِمٍ أوْ غَيْرِهِمْ! قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: لَا واللهِ حتّى تُعْطِينِي هَذَا الشَّرْطَ. قَالَ عَلِيّ: واللهِ لَا أعْطِيكَهُ أبَدَاً. فَتَرَكَهُ فَقَامُوا مِنْ عِنْدِهِ.[1]
وينقل ابن قتيبة أيضاً أنَّ أمير المؤمنين عليه السلام خطب في أهل الكوفة بعد التحكيم، وحرّضهم على الجهاد ضدّ معاوية، وقال في بعضها: وإنّي آمركم أن يكتب إليّ رئيس كلّ قوم منكم ما في عشيرته من المقاتلة، وأبنائهم الذين أدركوا القتال، والعبدان والموالي! وارفَعوا ذلك إليّ ننظر فيه إن شاء الله. فكان أوّل رئيس قبيلة قام وأجاب هو سَعْد بنُ قَيْس الهَمْدانيّ. ثمّ قام بعده عَدِيّ بن حَاتَم، وحُجْر بن عَدِيّ وأشراف القبائل، وأعلنوا كلّهم عن التسليم والطاعة، وتهيّأ الجيش.
ويواصل ابن قُتَيْبَة كلامه إلى أن يقول: فَبَايَعُوهُ على التَّسْلِيمِ والرِّضَا، وشَرَطَ عَلَيْهِمْ كتَابَ اللهِ وسُنَّةَ رَسُولِهِ صلّى اللهُ عَلَيهِ وَ آلِهِ وسَلَّمَ. فَجَاءَهُ رَجُلٌ مِنْ خُثْعَمٍ[2] فَقَالَ لَهُ عَلِيّ: بَايِعْ على كِتَابِ اللهِ وسُنَّةَ نَبِيِّهِ! قَالَ: لَا! ولَكِنْ ابَايِعُكَ على كِتَابِ اللهِ وسُنَّةِ نَبِيِّهِ وسُنَّةِ أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ. فَقَالَ عَلِيّ: ومَا يَدْخُلُ سُنَّةُ أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ مَعَ كِتَابِ اللهِ وسُنَّةِ نَبِيِّهِ؟ إنَّمَا كَانَا عَامِلَيْنِ بِالحَقِّ حَيْثُ عَمِلَا. فَأبَى الخثْعَمِيّ إلَّا سُنَّةَ أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ، وأبى عَلِيّ أنْ يُبَايِعَهُ إلَّا عَلَى كِتَابِ اللهِ وسُنَّةِ نَبِيِّهِ صلّى اللهُ عَلَيهِ وَ آلِهِ وسَلَّمَ.
فَقَالَ لَهُ حَيْثُ ألَحَّ عَلَيْهِ: تُبَايِعُ؟! قَالَ: لَا، إلَّا عَلَى مَا ذَكَرْتُ لَكَ! فَقَالَ لَهُ عَلِيّ: أمَا واللهِ لَكَأني بِكَ قَدْ نَفَرْتَ في هَذِهِ الفِتْنَةِ وكَأني بِحَوَافِرِ خَيْلِي قَدْ شَدَخَتْ وَجْهَكَ! فَلَحِقَ بِالخَوَارِجِ فَقُتِلَ يَوْمَ النَّهْرَوَانِ.
قَالَ قُبَيْضَةُ: فَرَأيْتُهُ يَوْمَ النَّهْرَوَانِ قَتِيلًا، قَدْ وَطَأتِ الخَيْلُ وَجْهَهُ، وشَدَخَتْ رَأسَهُ، ومَثَّلَتْ بِهِ، فَذَكَرْتُ قَوْلَ عَلِيّ وقُلْتُ: للَّهِ دَرُّ أبِي الحَسَنِ! مَا حَرَّكَ شَفَتَيْهِ قَطُّ بِشَيءٍ إلَّا كَانَ كَذَلِكَ.[3]
كان الهمّ الوحيد لأمير المؤمنين عليه السلام وصحابته الأوفياء منذ البداية إقرار أحكام القرآن والسنّة النبويّة، والوقوف بوجه كلّ تغيير وتبديل، ومواجهة كلّ ظلم وانتهاك. ولو أمعنّا النظر في سيرة أمير المؤمنين عليه السلام ونهجه، ثمّ رأينا سيرة صحابته ونهجهم، لعلمنا أنَّ كلّ من لم يتّخذ نهج عليّ دليلًا له، فلا يمكنه أن يكون من صحابته، وسيُنْبَذ شاء أم أبي، ومثله لا يلقي ترحيباً في جوّ عليّ الزاخر بالمعنويّة والأصالة، وفي وسط صحابته المخلصين. وكان الإمام يكرّر دائماً أنه لا يريد إلّا وجه الله وإقرار العدل، ويجهد في سبيل ذلك حتّى يأتيه أجله. ولا هدف له غيره، وهو لا يتوقّع رئاسة وتزعّماً.
ومن خاصّته المخلصين: الصحابيّ الجليل أبو ذرّ الغفاريّ، ذلك الصاحب البرّ والمجاهد الصلب الذي لم يعرف الكلل والفتور، وقف وحده في الشام أمام مظالم معاوية، وبعد أن لاقى من صنوف المحن والعذاب ما لاقى، ارجع إلى المدينة، ولم يسكت بل وقف أمام عثمان وهو يحصي مظالمه.
وذكر المؤرّخ الجليل والمحدّث الكبير والمنجّم العظيم: المسعوديّ في «مروج الذهب» نفى أبي ذرّ إلى الرَّبَذَة، وقال: إنَّ عثمان منع مشايعته. وقال أيضاً: شايعه عليّ والحسنان عليهم السلام، وعقيل، وعبد الله بن جعفر، وعمّار بن ياسر. وثقل ذلك على عثمان. إلى أنَّ قال: فَلَمَّا رَجَعَ عَلِيّ، اسْتَقْبَلَهُ النَّاسُ فَقَالُوا: إنَّ أمِيرَ المُؤْمِنِينَ عَلَيْكَ غَضْبَانُ لِتَشْييعِكَ أبَا ذَرّ، فَقَالَ عَلِيّ: غَضَبَ الخَيْلِ عَلَى اللُّجُمِ.[4] وأي: لا فائدة فيغضبه.
فلمّا كان العشيّ رأي عثمان، واعترض عليه عثمان كثيراً؛ وقال في بعض ما قال: لم رددت أمري؟! فقال الإمام: لم أردّ أمرك! قال عثمان: ألم يبلغك أني قد نهيت الناس عن أبي ذرّ وعن تشييعه؟ فقال الإمام: أوكُلُّ مَا أمَرْتَنَا بِهِ مِنْ شَيءٍ نَرَى طَاعَةً لِلَّهِ والحَقَّ في خِلَافِهِ اتَّبَعْنَا فِيهِ أمْرَكَ؟! بَاللهِ لَا نَفْعَلُ![5]
[1] «الإمامة والسياسة» ص 25.
[2] وهو ربيعة بن أبي شدّاد الخثعميّ، كان مع أمير المؤمنين عليه السلام في الجمل وصفّين. وخُثْعَم- بضمّ الخاء وسكون الثاء وفتح العين- اسم قبيلة.
[3] «الإمامة والسياسة» ص 123.
[4] «مروج الذهب» ج 2، ص 350، طبعة مطبعة السعادة، سنة 1367 هـ.
[5] «مروج الذهب» ج 2، ص 351.