لمّا أقبلت الخلافة على أمير المؤمنين عليه السلام شمّر عن ساعد الجدّ ما كان ذلك ميسّراً، ليزيل البدع، ويُعيد الأوضاع إلى ما كانت عليه في عصر رسول الله وعلى نهجه. ومن أعماله التي قام بها إرجاع الأراضي التي كان عثمان قد أقطعها، إلى بيت المال. وخطب في اليوم الثاني من الخلافة عند ما بايعه أهل المدينة، وقال: ألَا كُلُّ قِطْعَةٍ أقْطَعَهَا عُثْمَانُ وكُلُّ مَالٍ أعْطَاهُ مِنْ مَالِ اللهِ فَهُوَ مَرْدُودٌ في بَيْتِ المَالِ؛ فَإنَّ الحَقَّ القَدِيمَ لَا يُبْطِلُهُ شَيءٌ. واللهِ لَوْ وَجَدْتُهُ قَدْ تَزَوَّجَ بِهِ النِّسَاء ومُلِكَ بِهِ الإمَاءُ، لَرَدَدْتُهُ؛ فَإنَّ في العَدْلِ سَعَةً، ومَنْ ضَاقَ عَلَيْهِ العَدْلُ فَالجَوْرُ عَلَيْهِ أضْيَقُ.[1] أي: من كان عاجزاً عن تدبير اموره بالعدل، فهو عن تدبيرها بالجور والعدوان أعجز، لأنَّ في الجور مظنّة المقاومة والممانعة، أمّا في العدل، فلا.
وعلى الرغم من كافّة الإمكانات التي كانت تحت تصرّف أمير المؤمنين عليه السلام خلال المدّة القصيرة من خلافته الظاهريّة التي دامت زهاء خمس سنين، بَيدَ أنه لم يستطع إماتة البدع كلّها، وتقويض سنّة الشيخين، وإقناع الناس ببطلان سنّة اخرى في مقابل كتاب الله وسنّة نبيّه، لأنَّ الناس قد ألفوا تلك السنن القائمة إلى درجة أنهم كانوا يعتقدون أن تغييرها يعني الإتيان بدين جديد؛ والإعراض عنها بحكم الإعراض عن مقدّساتهم الدينيّة.
فلهذا كانوا يسعون في المحافظة على تلك السنن والآداب. وكان العامّة يؤلّفون أكثر جند أمير المؤمنين، وبين الجند أفراد قلائل ممّن تربّي في مدرسة الإمام. وكان اولئك العامّة يدافعون عن أحقّيّة الشيخين وسننهما بكلّ تحمّس. ويقال لهؤلاء: شيعة لوقوفهم إلى جانب الإمام في مقابل من وقف إلى جانب عثمان كمعاوية وبطانته، والمروانيّين والمناوئين الآخرين. وكانوا يرون خلافة الإمام في الدرجة الرابعة بعد خلافة الثلاثة الذين سبقوه. ولذلك كانوا يتّبعونه في الأمر والنهي والجهاد، مع أنهم كانوا يسيرون على آداب الشيخين وسننهما جميعاً، ولم يروا أنَّ الإمام هو الخليفة الأوّل، وهو الخليفة الحقيقيّ بعد رسول الله، وأنَّ اتّباعه يعني اتّباع مقام الإمامة والولاية المنصوبة من قبل رسول الله. فلهذا قال الإمام في خطبة له بكلّ صراحة إنَّه لو حمل الناس على ترك سنّة الشيخين، بخاصّة سنّة عمر، لتفرّق عنه جنده وخذلوه.
روى محمّد بن يعقوب الكلينيّ في «روضة الكافي» عن عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن حمّاد بن عيسى، عن إبراهيم بن عثمان، عن سُلَيم بن قيس الهلاليّ أنه قال: خطب أمير المؤمنين عليه السلام وحمد الله وأثنى عليه وصلّى على النبيّ، ثمّ قال: ألَا إنَّ أخْوَفَ مَا أخَافُ عَلَيْكُمْ خُلَّتَانِ: اتِّبَاعُ الهَوَى وطُولُ الأمَلِ. أمَّا اتِّبَاعُ الهَوَى فَيَصِدُّ عَنِ الحَقِّ، وأمَّا طُولُ الأمَلِ فَيُنْسِي الآخِرَةِ. إلى أن قال: إنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلّى اللهُ عَلَيهِ وآلِهِ وسَلَّمَ يَقُولُ: كَيْفَ أنْتُمْ إذَا لَبَسَتْكُمْ فِتْنَةٌ يَرْبُو فِيهَا الصَّغِيرُ، ويَهْرَمُ فِيهَا الكَبِيرُ يَجْرِى النَّاسُ عَلَيْهَا ويَتَّخِذُونَهَا سُنَّةً، فَإذَا غُيِّرَ مِنْهَا شَيءٌ قِيلَ: قَدْ غُيِّرَتِ السُّنَّةُ، وقَدْ أتَى النَّاسُ مَنْكَرَاً. ثُمَّ تَشْتَدُّ البَلِيَّةُ وتُسْبَى الذُّرِّيَّةُ وتَدُقُّهُمُ الفِتْنَةُ كَمَا تَدُقُّ النَّارُ الحَطَبَ وكَمَا تَدُقُّ الرَّحَى بِثُفَالِهَا، ويَتَفَقَّهُونَ لِغَيْرِ اللهِ، ويَتَعَلَّمُونَ لِغَيْرِ العَمَلِ، ويَطْلُبُونَ الدُّنْيَا بِأعْمَالِ الآخِرَةِ.
ثُمَّ أقْبَلَ بِوَجْهِهِ وحَوْلَهُ نَاسٌ مِنْ أهْلِ بَيْتِهِ وخَاصَّتِهِ وشِيعَتِهِ فَقَالَ: قَدْ عَمِلَتِ الوُلَاةُ قَبْلِي أعْمَالًا خَالَفُوا فِيهَا رَسُولَ اللهِ صلّى اللهُ عَلَيهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مُتَعَمِّدِينَ لِخِلَافِهِ، نَاقِضِينَ لِعَهْدِهِ، مُغَيِّرِينَ لِسُنَّتِهِ؛ ولَوْ حَمَلْتُ النَّاسَ على تَرْكِهَا وحَوَّلْتُهَا إلَى مَوَاضِعِهَا وإلَى مَا كَانَتْ في عَهْدِ رَسُولِ اللهِ صلّى اللهُ عَلَيهِ وآلِهِ وسَلَّمَ لَتَفَرَّقَ عَنِّي جُنْدِي حتّى أبْقَى وَحْدِي أوْ قَلِيلٌ مِنْ شِيعَتِي الَّذِينَ عَرَفُوا فَضْلِي وفَرْضَ إمَامَتِي مِنْ كِتَابِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ وسُنَّةِ رَسُولِ اللهِ صلّى اللهُ عَلَيهِ وآلِهِ وسَلَّمَ.
ثمّ ذكر أسماء كثير من البدع وعدّها واحدة بعد الاخرى، ثمّ قال: لو غيّرتها وحوّلتها إلى كتاب الله وسنّة نبيّه صلّى الله عليه وآله وسلّم إذَاً لَتَفَرَّقُوا عَنِّي. ثمّ قال: واللهِ لَقَدْ أمَرْتُ النَّاسَ أنْ لَا يَجْتَمِعُوا في شَهْرِ رَمَضَانَ إلَّا في فَرِيضَةٍ، وأعْلَمْتُهُمْ أنَّ اجْتِمَاعَهُمْ في النَّوَافِلِ بِدْعَةٌ فَتَنَادَى بَعْضُ أهْلِ عَسْكَرِي مِمَّنْ يُقَاتِلُ مَعِي: يَا أهْلَ الإسلام غُيِّرَتْ سُنَّةُ عُمَرَ، يَنْهَانَا عَنِ الصَّلَاةِ في شَهْرِ رَمَضَانَ تَطَوُّعَاً؛[2] ولَقَدْ خِفْتُ أنْ يَثُورُوا في نَاحِيَةِ جَانِبِ عَسْكَرِي. مَا لَقِيتُ مِنْ هَذِهِ الامَّةِ مِنَ الفُرْقَةِ وطَاعَةِ أئِمَّةِ الضَّلَالَةِ والدُّعَاةِ إلَى النَّارِ- (الخطبة).[3]
ومن هنا نقف على مدى العناء الذي كان يعيشه الأئمّة الطاهرين عليهم السلام لإرجاع الأوضاع إلى ما كانت عليه في عصر رسول الله، ونقف كذلك على المشاكل التي كانوا يواجهونها، على تضحياتهم الجسيمة بالأموال والأرواح وكلّ الأشياء في سبيل ذلك.
نقل الطبريّ في تأريخه رسالة مُحَمَّد بن عبد الله المَحْض صاحب النفس الزكيّة إلى المنصور الدوانيقيّ، إلى أن قال: قال محمّد: وإنَّ أبَانَا عَلِيَّاً كَانَ الوَصِيّ وكَانَ الإمَامَ فَكَيْفَ وَرِثْتُمْ وَلَايَتَهُ ووُلْدُهُ أحْيَاءٌ؟! هذه الرسالة مفصّلة. وكتب أبو جعفر المنصور رسالة مفصّلة جدّاً في جوابه، جاء في بعضها: ولَقَدْ طَلَبَهَا أبُوكَ لِكُلِّ وَجْهٍ، فَأخْرَجَهَا نَهَارَاً ومَرَّضَهَا سِرّاً ودَفَنَهَا لَيْلًا فَأبَى النَّاسُ إلَّا الشَّيْخَيْنِ وتَفْضِيلَهُمَا.[4]
ونقل ابن خلدون رسالة المنصور الدوانيقيّ باختلاف يسير، قال فيه: ولَقَدْ طَلَبَ بِهَا أبُوكَ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وأخْرَجَهَا تُخَاصِمُ ... إلى آخره.[5]
أجل، إنَّ هدفنا من وراء هذا البحث هو أننا نريد أن نقول: إنَّ نهج الشيخين ترك وقعه على الناس إلى درجة أنَّ أمير المؤمنين عليه السلام لم يستطع طيلة الفترة التي حكم فيها أن يزيله، وظلّ الناس على هذا النهج في عصر الإمام الحسن عليه السلام. وكلّما تعاقبت الأيّام فإنَّ البدع القديمة كانت تترسّخ أكثر وأكثر، وكانت تضاف إليها بدع جديدة، بواسطة الأمويّين الذين كان على رأسهم معاوية بن أبي سفيان الذي كان لا يفكّر إلّا بأنانيّته، وكان يعدّ العدّة لمحو اسم رسول الله، وبلغت وقاحته حدّاً أنه قال للمغيرة بن شعبة بصراحة: لا يقرّ قراري ما لم أدفن اسم محمّد حتّى لا يُصاح به من المآذن كلّ يوم.
[1] قوله: والله لو وجدته، حتّي آخر الكلام موجود في «نهج البلاغة» الخطبة 15. وروي الشيخ محمّد عبده هذه الكلمات كلّها في تعليقته عن الكلبيّ مرفوعاً عن أبي صالح، عن عبد الله بن عبّاس، وقال: خطب عليّ عليه السلام وقال كذا.
[2] أوصى رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم بصلاة ألف ركعة مستحبّة في ليالي شهر رمضان، واختلفوا في كيفيّتها، وأقرب الأقوال فيها كما يبدو، ثماني ركعات بعد صلاة المغرب، واثنتا عشرة ركعة بعد صلاة العشاء في العشرة الاولى والثانية، واثنتان وعشرون ركعة في العشرة الثالثة، فيكون المجموع سبعمائة ركعة؛ وتضاف مائة ركعة في كلّ ليلة من ليالي القدر، فيصبح المجموع ألف ركعة. وكان رسول الله يقيم هذه الصلوات فرادى حتّى أنه عند ما كان يصلّى في المسجد ويقتدي به الناس من غير علم، كان ينهاهم عن ذلك. مضافاً إلى هذا أنه كان يترك الصلوات في الفواصل التي بينها ويذهب إلى بيته تحاشياً من الجماعة. ولمّا كانت هذه الصلوات نوافل فإنَّ إقامتها في جماعة حرام. وكانت تقام فرادى في عصر أبي بكر أيضاً إلى أن حانت خلافة عمر فأتى ذات ليلة إلى المسجد في شهر رمضان فوجد الناس يصلّون فرادى، فلم يرقه ذلك، وقال: الأفضل لجماعة الناس أن تقام في جماعة. ونصّب إماماً للجماعة، فسار الناس على سيرته إذ يقيمون هذه الصلاة جماعة إلى يومنا هذا. وهذه الصلاة مشهورة بصلاة التراويح. وهي من بدع عمر المعروفة.
[3] «روضة الكافي» ص 58 إلى 63.
[4] «تاريخ الطبريّ» ج 6، ص 196 إلي 198، طبعة مطبعة الاستقامة، سنة 1358 هـ.
[5] «تاريخ ابن خلدون» ج 4، ص 5.