روى موفّق بن أحمد: خطيب خوارزم بسنده عن سعيد بن وهب، وعبد خير أنّهما ذكرا مناشدة أمير المؤمنين عليه السلام وجواب الصحابة بلفظ: فَقَام عِدَّةٌ مِنْ أصْحَابِ النَّبِيّ صلّى الله عليه وآله، وحكاية حديث الموالاة.
وقال بعد ذلك: يُقَالُ: نَشَدْتُكَ اللهَ، ونَاشَدْتُكَ اللهَ، وأنْشدْتُكَ بِاللهِ، أي: سَألْتُكَ بِهِ وطَلَبْتُ إلَيْكَ. وهُوَ مَجَازُ قَوْلِهِمْ نَشَدَ الضَّالَةَ يَنْشُدُهَا إذَا طَلَبها. وأنْشَدَهَا إذَا عَرَّفَهَا.[1]
ونقل ابن الأثير في ترجمة عبد الرحمن بن مُدْلج أنّ ابن عُقْدة روى بإسناده عن أبي الغيلان: سعْد بن طَالِب، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ذي مُرّ، ويزيد بن يثيع، وسعيد بن وهب، وهانئ بن هانئ وقال أبو إسحاق: حدّثني من لا احصي أنّ عليّاً عليه السلام نشد الناس في الرُّحْبة: من سمع قول رسول الله: مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيّ مَوْلَاهُ. اللهُمَّ والِ مَنْ وَالاهُ، وعَادِ مَنْ عَادَاهُ. فقام نفر منهم وشهدوا أنّهم سمعوا ذلك من رسول الله. وكَتَمَ قَوْمٌ فَمَا خَرَجُوا مِنَ الدُّنْيَا حتّى عَمُوا وأصَابَتْهُمْ آفَةٌ، مِنْهُمْ يَزِيدُ بْنُ وَدِيعَةَ، وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُدْلِجٍ. أخْرَجَهُ أبُو موسى.[2]
ونصل إلى نهاية حديثنا عن الاحتجاج بحديث الغدير في الرُّحْبة.
وقد ذكرنا هذا الاحتجاج بنحو مفصّل ومسهب، لأنّه أهمّ من جميعالاحتجاجات الاخرى، والتعويل عليه أضمن، وشيوعه في الكتب أكثر.و لا نألف كتاباً في الحديث والتأريخ والسيرة إلّا وتطرّق إلى احتجاج رحبة الكوفة. فلهذا يحظى بأهمّيّة خاصّة من حيث الاحتجاج به والاستناد إليه مع ما يتمتّع به من الثبوت لدي أرباب التأريخ والسير.
خصوصاً، أنّ ما نقلناه من الحديث كان مأخوذاً من كتب العامّة ليطّلع إخواننا الشيعة على ثبوت هذا الموضوع عند الخصم، ويعلم إخواننا العامّة أنّ هذه الامور موجودة في المدارك الموثوقة لكتبهم، ولا تخفى حقيقة الأمر، وإن كان العامّة والأكثريّة على خلاف ذلك. وهذا هو الحقّ، وهُوَ أحَقُّ أنْ يُتَّبَعَ. وعلى الرغم من هذا السند وهذه الدلالة في حديث الغدير، كيف يقول عمر عند دنوّ أجله: لو كان أبو عبيدة بن الجرّاح حيّاً لاستخلفته، وقلت لربّي يوم القيامة: رسولك قال: هذا أمين الامّة.
كيف نسي ذلك البحر الذي لا نفاد له من الفضائل والمناقب التي كان قد سمعها من رسول الله صلّى الله عليه وآله بحقّ أمير المؤمنين عليه السلام؟ هل نسيها عمر أم تناساها؟ وكلّ واحدة من هذه الفضائل تعادل قول رسول الله: هذا أمينُ الامَّة[3] على فرض صحّة صدوره ألف مرّة، وهي أقوى وأمتن، وفي الاحتجاج والاستدلال أقطع وأدفع. ألا يستطيع عمر أن يقول لربّه يوم القيامة: استخلفتُ عليّاً لأنّي سمعت باذَنَيّ هاتين، ورأيت بعينَيّ هاتين أنّ نبيّك رفع عليّاً على المنبر آخذاً بيده، وهو يقول للمسلمين من المهاجرين والأنصار: مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيّ مَوْلَاهُ. اللهُمَّ والِ مَنْ وَالاهُ، وعَادِ مَنْ عَادَاهُ، وانْصُرْ مَنْ نَصَرَهُ، واخْذُلْ مَنْ خَذَلَهُ، وأعِنْ مَنْأعَانَهُ، وأحِبَّ مَنْ أحَبَّهُ وأبْغِضْ مَنْ أبْغَضَهُ؟!
ولما كنتُ قد اعترفت ذلك اليوم بإمارته وولايته وحكومته وأولويّته في الأوامر والنواهي والأحكام والسياسات والمعاملات من خلال قولي له:بَخٍّ بَخًّ لَكَ يَا بْنَ أبي طَالِبٍ! أصْبَحْتَ مَوْلَايَ ومَوْلى كُلِّ مُؤْمِنٍ ومُؤْمِنَةٍ، فليس لي نكث العهد، لذلك استخلفته، بل وأتوب إلى الله، وأعتذر إليه من غصب الخلافة في الماضي!
[1] «مناقب الخوارزميّ» ص 94، الطبعة حجريّة، وص 95 في الطبعة الحديثة.
[2] «اسد الغابة» ج 3، ص 321.
[3] هذا الكلام موضوع مفترى لا صحّة له. وتخلو منه كتب الإماميّة كلها سواء مصادرها ومجاميعها أم غيرها من الكتب.