يقول المسعوديّ: بعد الكلام الذي دار بين الزبير وبين ابنه عبد الله، وبعد الشجاعة التي أبداها في ساحة القتال، مضى الزبير منصرفاً، حتّى أتى وادي السِّباع والأحْنَف بن قَيْس معتزل في قومه (بني تميم). فأتاه آتٍ فقال له: هذا الزبير مارّاً. فقال الأحنف: ما أصنع بالزبير؟ وقد جمع بين فئتين عظيمتين من الناس يقتل بعضهم بعضاً، وهو مارّ إلى منزله سالما.
فلحقه نفر من بني تميم، فسبقهم إليه عمرو بن جُرموز، وقد نزل الزبير إلى الصلاة. (فقال: أتؤمُّني أو أؤُمُّكَ؟) فأمَّه الزبير، فقتله عمرو في الصلاة، وله خمس وسبعون سنة. وقيل: إنّ الأحنف بن قيس قتله بإرساله من أرسل من قومه.
وأتى عَمْرو بن جُرْمُوز أمير المؤمنين عليه السلام بسيف الزبير وخاتمه ورأسه، وقيل: إنّه لم يأت برأسه. فقال الإمام: سَيْفٌ طَالَما جَلَا الكَرْبَ عَنْ (وَجْهِ) رَسُولِ اللهِ صلّى الله عَلَيْهِ وآلِهِ لَكِنَّهُ الحَيْنُ ومَصَارِعُ السُّوءِ، وقَاتِلُ ابْنِ صَفِيَّةِ في النَّارِ.[1]
ذلك أنّ ابن جرموز قتل الزبير غيلةً وغَفْلةً، ولم يرد الفتك في الإسلام، كما لا يجوز القتل غيلة، وهو المعبَّر عنه اليوم: الاغتيال. يضاف إلى ذلك أنّ ابن جرموز قد ركب هواه وقتل الزبير بلا إذن من الإمام وكان الزبير قد اعتزل الحرب ومضى لوجهته، فما هو المبرّر الشرعيّ لابن جرموز حتّى يقوم بقتل الزبير، والإمام لم يأذن بذلك؟
وأمّا مصير طلحة، فقد كان مشغولًا بالحرب مع جماعة من أصحابه، وكان يوصي الجيش بالصبر والصمود، حتّى رماه مَرْوان بن الحَكَم، وهو أحد أفراد جيشه، بسهم في أكحله، فنزف دمه حتّى مات. يقول مروان: كنت أعلم أنّ طلحة هو الذي كان يحرّض الناس على قتل عثمان، وهو أحد مسبّبي قتله، فلم ارَ أنسب من ذلك اليوم للأخذ بثأر عثمان، فرميته بسهم، فقتلت أحد قاتلي عثمان.
يقول اليعقوبيّ: فقتل طلحة بن عبيد الله في المعركة. رماه مروان بن الحكم بسهم فصرعه، وقال: لا أطلب بعد اليوم بثأر عثمان، وأنا قتلته.
فقال طلحة لما سقط إلى الأرض: تالله ما رأيت كاليوم قطّ شيخاً من قريش أضيع مني. إنِّي والله ما وقفت موقفاً قطّ إلّا عرفت موضع قدمي فيه إلّا هذا الموقف.[2]
يقول المسعوديّ: لما رأى مروان بن الحكم طلحة في ميدان القتال، قال: ما ابالى رميتُ ههنا أم ههنا: جيش علي أو جيش البصرة. فرماه في أكحله فقتله.[3]
[1] «مروج الذهب» ص 372 و373.
[2] «تاريخ اليعقوبيّ» ج 2، ص 182.
[3] «مروج الذهب» ج 2، ص 373.