مناشدة أمير المؤمنين عليه السلام في حرب صفّين أمام عسكره وجمع الناس ومن بحضرته من النواحي والمهاجرين والأنصار.
وكان هذا الاحتجاج في وقت كان معاوية قد بعث فيه كتاباً إلى الإمام مع أبي هُرَيْرة وأبي الدرداء، ووجّه إليه أسئلة شفويّة بواسطتهما.
ولما كان هذا الكتاب والأسئلة وأجوبتها رائعة جدّاً، فلهذا ننقل القصّة من أوّلها. ثمَّ نعرّج على استشهاد أمير المؤمنين عليه السلام بحديث الغدير. ووردت هذه القصّة مفصّلة في كتاب التابعيّ الجليل سُلَيم بن قَيْس الهِلالي الكوفيّ الذي كان من أعاظم أصحاب الإمام، ولا مِراء عند الخاصّة والعامّة في جلالته ووثاقته وأمانته ونزاهته في النقل.
روى أبان بن أبي عيّاش عن سُلَيم بن قيس أنّه قال: كنّا مع أمير المؤمنين عليه السلام بصفّين: وزعم أبو هُريرة العَبْديّ أنّه سمع من عُمَر بن أبي سَلَمَة أنّ معاوية دعا أبا الدرداء وأبا هريرة، وكانا من أصحابه، فقال لهما: انطلقا إلى على فاقرآه منيّ السلام وقولا له: والله إنيّ لأعلم أنّك أولى الناس بالخلافة وأحقّ بها منيّ لأنّك من المهاجرين الأوّلين وأنا من الطلقاء. وليس لي مثل سابقتك في الإسلام وقرابتك من رسول الله وعلمك بكتاب الله وسنّة نبيّة.
ولقد بايعك المهاجرون والأنصار بعد ما تشاوروا ثلاثة أيّام ثمَّ أتوك فبايعوك طائعين غير مكرهين. وكان أوّل من بايعك طلحة والزبير، ثمّ نكثا بيعتك وظلما وطلبا ما ليس لهما.
وبلغني أنّك تعتذر من قتل عثمان وتتبرّأ من دمه! وتزعم أنّه قتل وأنت قاعد في بيتك! وأنّك قلت حين قتل: اللهمّ لم ارض ولم امال.
وقلت يوم الجمل حين نادوا: يَا لَثَارات عُثْمانَ! كُبَّ قَتَلَهُ عثمان اليَوْمَ لِوُجُوهِهِمْ إلى النّارِ! أنحن قتلناه؟ وإنّما قتله هما وصاحبتهما (طلحة، والزبير، وعائشة)، وأمروا بقتله وأنا قاعد في بيتي، وأنا ابن عمّ عثمان والمطالب بدمه.
فإن كان الأمر كما قلتَ، فأمكنا من قتلة عثمان وادفهم إلينا نقتلهم -يا بن عمّنا- ونبايعك ونسلم إليك الأمر! هذه واحدة.
وأمّا الثانية، فقد أنبأتني عيوني وأتتني الكتب من أولياء عثمان ممّن هو معك يقاتل -و نحسب أنّه على رأيك وراض بأمرك وهواه معنا وقلبه عندنا، وجسده معك- أنّك تظهر ولاية أبي بكر وعمر، وتترحّم عليها، وتكفّ عن عثمان ولا تذكره ولا تترحّم عليه ولا تلعنه! (و في رواية اخرى: ولا تسبّه ولا تتبرأ منه).
وبلغنيّ أنّك إذا خلوتَ ببطانتك الخبيثة وشيعتك وخاصّتك الضالّة الكاذبة، تبّرأت عندهم من أبي بكر، وعمر، وعثمان، ولعنتهم وادّعيت أنّك وصيّ رسول الله في امّته وخليفته فيهم، وأنّ الله عزّ وجلّ فرض على المؤمنين طاعتك وأمر بولايتك في كتابه وسنّة نبيّه، وأنّ الله أمر محمّداً أن يقوم بذلك في امّته، وأنّه أنزل عليه: {يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ}.[1] فجمع قريشاً والأنصار وبني اميّة بغدير خمّ (و في رواية اخرى: فجمع اميّة بغدير خمّ) فبلّغ ما امر به فيك عن الله، وأمَر أن يبلّغ الشاهد الغائب، وأخبرهم أنَّكَ أوْلَى بِهِمْ مِنْ أنْفُسِهِمْ، وأنَّكَ مِنْهُ بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ موسى.
وبلغني أنّك لا تخطب خطبة إلّا قلت قبل أن تنزل عن منبرك: واللهِ إنِّي لأوْلَى النَّاسِ بِالنَّاسِ، ومَا زِلْتُ مَظْلُومَاً مُنْذُ قُبِضَ رَسُولُ اللهِ.
لئن كان ما بلغني عنك حقّاً، فلظلم أبي بكر، وعمر إيّاك أعظم من ظلم عثمان، لأنّه بلغني أنّك تقول: لقد قبض رسول الله ونحن شهود فانطلق عمر وبايع أبا بكر، وما استأمرك ولاشاورك. ولقد خاصم الرجلان (أبو بكر وعمر) الأنصار بحقّك وحجّتك وقرابتك من رسول الله، ولو سلّما لك وبايعاك كان عثمان أسرع الناس إلى ذلك لقرابتك منه وحقّك عليه، لأنّه ابن عمّك وابن عمّتك! ثمَّ عمد أبو بكر فردّها إلى عمر عند موته، ما شاورك ولا استأمرك حين استخلفه، وبايع له، ثمَّ جعلك عمر في الشورى بين ستّة منكم، وأخرج منها جميع المهاجرين والأنصار وغيرهم. فولّيتم ابن عوف أمركم في اليوم الثالث حين رأيتم الناس قد اجتمعوا واخترطوا سيوفهم وحلفوا بالله لئن غابت الشمس ولم تختاروا أحدكم ليضربنّ أعناقكم ولينفذنّ فيكم أمر عمر ووصيّته، فولّيتم أمركم ابن عوف، فبايع عثمان فبايعتموه، ثمّ حصر عثمان فاستنصركم فلم تنصروه ودعاكم فلم تجيبوه، وبيعته في أعناقكم.
وأنتم يا معشر المهاجرين والأنصار حضور شهود فخلّيتم عن أهل مصر حتّى قتلوه. وأعانه طوائف منكم على قتله، وخذله عامّكم، فصرتم في أمره بين قاتل وآمر وخاذل.
ثمّ بايعك الناس، وأنت أحقّ بها مني فأمكني من قتلة عثمان، حتّى أقتلهم اسلم الأمر لك وابايعك أنا وجميع من قبلي من أهل الشام.
[1] الآية 67، من السورة 5: المائدة.