صعد عليّ عليه السلام المنبر في عسكره وجمع الناس، ومن بحضرته من النواحي والمهاجرين والأنصار، ثمّ حمد الله وأثنى عليه، ثمّ قال: مَعَاشِرَ النَّاسِ! إنَّ مَنَاقِبي أكْثَرُ مِنْ أنْ تُحْصَى! وبَعْدَ مَا أنْزَلَ اللهُ في كِتَابِهِ مِنْ ذَلِكَ ومَا قَالَ رَسُولُ اللهِ صلّى الله عَلَيْهِ وآلِهِ أكْتَفي بها عَنْ جَمِيعِ مَنَاقِبِي وفَضْلي (يتطرّق الإمام عليه السلام هنا إلى كثير من مناقبه المنزَلَة في كتاب الله أو المحكيّة على لسان رسول الله صلّى الله عليه وآله بنحو مفصّل وصريح، ويحتجّ بها كلها على سبيل مناشدة الناس المستمعين، وهم يقولون: اللهُمَّ نَعَمْ، «نحن نشهد على ما يقوله عليّ وما قاله النبيّ بحقّه». هذه المناشدة مفصّلة ورائعة جدّاً. بَيدَ أنّها لما كان أكثر عباراتها وموضوعاتها مماثلًا لما ورد في مناشدته واحتجاجه في مسجد رسول الله أيّام حكومة عثمان عند ما كان المهاجرون والأنصار يفتخرون بسوابقهم، وكنّا قد نقلنا ذلك نفسه في الاحتجاج الثالث المارّ ذكره والماثور عن «فرائد السمطين» للحمّوئيّ بسنده عن سُلَيْم بن قَيْس، فلهذا نحجم عن ذكر نصّها ونكتفي بما يناسب استشهادنا واحتجاجنا في هذا البحث المتمثّل بالاحتجاج بحديث الغدير).
فَأمَرَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ أن يُعْلِمَهُمْ وأنْ يُفَسِّرَ لَهُمْ مِنَ الوَلَايَةِ مَا فَسَّرَ لَهُمْ مِنْ صَلَاتِهِمْ وصِيَامِهِمْ وزَكَاتِهِمْ وحَجِّهِمْ، فَنَصَبَني بِغَدِيرِ خُمٍّ وقَالَ: إنَّ اللهَ أرْسَلَني بِرِسَالَةٍ ضَاقَ بها صَدْرِي، وظَنَنْتُ أنَّ النَّاسَ مُكَذِّبُونِي، فَأوْعَدَني لأبَلِّغَنَّهَا أوْ يُعَذِّبَني! قُمْ يَا عَلِيّ!
ثمَّ نَادَى بِالصَّلَاةِ جَامِعَةً فَصَلَّى بِهِمُ الظُّهْرَ ثمَّ قَالَ: أيُّهَا النَّاسُ! إنَّ اللهَ مَوْلَاي وأنَا مَوْلَى المُؤْمِنِينَ وأوْلَى بِهِمْ مِنْ أنْفُسِهِم. مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيّ مَوْلَاهُ. اللهُمَّ والِ مَنْ وَالاهُ، وعَادِ مَنْ عَادَاهُ، وانْصُرْ مَنْ نَصَرَهُ، واخْذُلْ مَنْ خَذَلَهُ!
فَقَامَ إلَيْهِ سَلْمَانُ الفَارِسيّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ وَلاؤُهُ كَمَا ذَا؟! فَقَالَ:وَلاؤُهُ كَوَلَايَتِي. مَنْ كُنْتُ أوْلَى بِهِ مِنْ نَفْسِهِ فَعَلِيّ أوْلَى بِهِ مِنْ نَفْسِهِ. وأنْزَلَ اللهُ: {الْيَوْمَ أكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وأتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي ورَضِيتُ لَكُمُ الإسْلَامَ دِينًا} فَقَالَ سَلْمَانُ الفَارِسيّ: يَا رَسُولَ اللهِ! انْزِلَتْ هَذِهِ الآيَاتُ في عَلِيٍّ خَاصَّةً؟! فَقَالَ: فِيهِ وفي أوْصِيَائِي إلَى يَوْمِ القِيَامَةِ. فَقَالَ سَلْمَانُ الفَارِسيّ: يَا رَسُولَ اللهِ! بَيِّنْهُمْ لَنَا! فَقَالَ: عَلِيّ أخِي ووَزِيرِي ووَصِيِّي ووَارِثِي وخَلِيفَتِي في امَّتي ووَلِيّ كُلِّ مُؤْمِنٍ بَعْدِي، وأحَدَ عَشَرَ إمَامَاً مِنْ وُلْدِهِ: الحَسَنُ والحُسَيْنُ ثمَّ تِسْعَةٌ مِنْ وُلْدِ الحُسَيْنِ، وَاحِداً بَعْدَ وَاحِدٍ، القُرْآنُ مَعَهُمْ وهُمْ مَعَ القُرْآنِ، لا يُفَارِقُونَهُ حتّى يَرِدُوا عَلِيّ الحَوْضَ.
فَقَام اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا مِنَ البَدْرِيِّينَ فَقَالُوا: نَشْهَدُ أنَّا سمِعْنَا ذَلِكَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صلّى الله عَلَيْهِ وآلِهِ كَمَا قُلْتَ سَواءً لَمْ تَزِدْ حَرْفَاً ولَمْ تَنْقُصْ حَرْفَاً. وقَالَ بَقِيَّةُ السَّبعِينَ[1] قَدْ سمِعْنَا ذَلِكَ ولَمْ نَحْفَظْهُ كُلَّهُ، وهَؤْلَاءِ اثْنَا عَشَرَ خِيارُنَا وأفْضَلُنَا. فَقَالَ: قَدْ صَدَقْتُمْ، لَيْسَ كُلُّ النَّاسِ يَحْفَظُهُ ... إلى آخر الخطبة.
فلما حدّث أبو الدرداء، وأبو هريرة معاوية بخطبة أمير المؤمنين عليه السلام مع أجوبة الناس وتصديقهم إيّاه، وجم من ذلك وقال: يا أبا الدرداء! ويا أبا هُريرة! لئن كان ما تحدّثاني عنه حقّاً لقد هلك المهاجرون والأنصار غيره وغير أهل بيته وشيعته.[2]
فهذه الاحتجاجات السبعة التي ذكرناها، صدرت كلها عن أمير المؤمنين عليه السلام في مواقع مختلفه زماناً ومكاناً.
[1] في بعض النسخ بدل ذلك: وقال بقيّة البدريّين الذين شهدوا مع على صِفّين: قد حفظنا جلّ ما قلتَ ولم نحفظ كلّه، عن الهامش.
[2] «كتاب سُلَيم بن قيس» ص 179 إلى 190. وجاء في كتاب «الغدير» ج 1، ص 195 و196، ما يناسب الاستشهاد بحديث الغدير فحسب. وروى صاحب «غاية المرام» هذا الحديث بتمامه عن «كتاب سليم بن قيس»، وذلك في الكتاب المذكور، القسم الأوّل، ص 139 و140، الحديث 46.