وذلك قبل موت معاوية بسنة أو سنتين، وتضمّ هذه المناشدة موضوعات جمّة. وجاءت في وقت قد بلغت فيه انتهاكات معاوية مبلغها. إذ سلّط زياد بن أبيه على الكوفة والبصرة، فكان يقتل شيعة أمير المؤمنين عليه السلام تحت كلّ كوكب، بل كان الاتّهام بالتشيّع يكفي لهدر دم الشيعة. وكتب إلى جميع الأمصار أن لا حقّ لأحد أن ينقل مناقب وفضائل على وأهل البيت، بل له أن ينقل مناقب عثمان وفضائله للناس.و أمر بإذلال الشيعة ومحو أسمائهم من ديوان العطاء، وعلى العكس، أمر باحترام شيعة عثمان وإعزازهم، إلى أن كتب ثانية بالكفّ عن ذكر فضائل عثمان، والانبراء إلى ذكر فضائل الشيخين: أبي بكر، وعمر، لأنّ سوابقهما وفضائلهما أحبّ إليه، وأقرّ لعينيه، وأقوى في دحر حجّة أهل البيت وبرهانهم، وأكثر تأثيراً في طمس اسم أهل البيت من ذكر مناقب عثمان وفضائله.
وسار معاوية على هذا النهج زهاء عشرين سنة. وكتب إلى جميع عمّاله أن يقرأوا نسخ هذه المناقب المجموعة، للناس على المنابر وفي جميع المدن والقصبات والقرى، وفي كلّ مسجد ومحفل، ويسبّوا عليّ بن أبي طالب، ويأمروا المعلّمين في الكتاتيب أن يعلموا الأطفال ذلك، وليتعلموه كما يتعلمون القرآن، وكذلك يعلّموا النساء والفتيات وحتّى الخَدَم والحَشَم.
وتربّى الأطفال على ذلك، وشاب عليه الصبيان، ومات عليه الشيوخ.
ولما توفي الإمام الحسن المجتبى عليه السلام سنة 49 ه بسمّ دسّه إليه معاوية بواسطة زوجته بنت الأشعث بن قَيْس الكنديّ،[1] استعرَّت نار الفتنة، واشتدّ البلاء، وعظم الخطب على الشيعة أكثر فأكثر حتّى لم تجد في أيّ بقعة من بقاع العالم الإسلاميّ وليّاً للّه إلّا وهو خائف على نفسه، مذعور، طريد، شريد، منبوذ. وعدوّ الله ظاهر بخيلائه متباهٍ ببدعه وضلالته جهراً وبلا استحياء.
وحجّ الإمام الحسين صلوات الله عليه قبل موت معاوية بسنة،[2] وكان معه عبد الله بن عبّاس، وعبد الله بن جعفر.
وجمع الحسين عليه السلام جميع بني هاشم، رجالهم ونسائهم ومواليهم، ومن الأنصار ممّن يعرفه، وأهل بيته. ثمّ أرسل رسلًا وقال لهم:لا تدعوا أحداً من أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وآله المعروفين بالصلاح والنسك إلّا جمعتموهم لي بمنى!
فاجتمع إليه بمنى أكثر من سبعمائة رجل وهم في سرادقة، عامّتهم من التابعين، ونحو من مائتي رجل من أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وآله.
فَقَامَ فِيهِمْ خَطِيبَاً فَحَمِدَ اللهَ وأثْني عَلَيْهِ ثمَّ قَالَ: أمَّا بَعْدُ؛ فَإنَّ هَذَا الطَّاغِيَة،[3] قَدْ فَعَلَ بِنَا وبِشيعَتِنَا مَا قَدْ رَأيْتُمْ وعَلِمْتُمْ وشَهِدْتُمْ؛ وإنِّي ارِيدُ أنْ أسَألَكُمْ عَنْ شَيءٍ، فَإنْ صَدَقْتُ فَصَدِّقُوني، وإنْ كَذَبْتُ فَكَذِّبُوني!
وَأسْألُكُمْ بِحَقِّ اللهِ عَلَيْكُمْ وحَقِّ رَسُولِ اللهِ صلّى الله عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ وقَرَابَتي مِنْ نَبِيِّكُمْ لَمَّا سَيَّرْتُمْ مَقَامي هَذَا ووَصَفْتُمْ مَقَالَتي ودَعَوْتُمْ أجْمَعِينَ في أمْصَارِكُمْ مِنْ قَبَائِلِكُمْ مَنْ آمَنْتُمْ مِنَ النَّاسِ (وَ في روَايَةٍ اخْرَى بَعْدَ قَوْلِهِ: فَكَذِّبُوني: اسْمَعُوا مَقَالَتي واكْتُبُوا قَوْلي، ثمَّ ارْجِعُوا إلَى أمْصَارِكُمْ وقَبَائِلِكُمْ مَنْ أمَنْتُمْ مِنَ النَّاسِ) ووَثِقْتُمْ بِهِ فَادْعُوهُمْ إلَى مَا تَعْلَمُونَ مِنْ حَقِّنَا، فَإنِّي أتَخَوَّفُ أنْ يَدْرُسَ هَذَا الأمْرُ ويَذْهَبَ الحَقُّ ويُغْلَبَ، {وَ اللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ ولَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ}.
وَمَا تَرَكَ شَيْئاً مِمَّا قَالَهُ رَسُولُ اللهِ صلّى الله عَلَيْهِ وآلِهِ في أبِيهِ وأخِيهِ وامِّهِ وفي نَفْسِهِ وأهْلِ بَيْتِهِ إلَّا رَوَاهُ، وكُلُّ ذَلِكَ يَقُولُ أصْحَابُهُ: اللهُمَّ نَعَمْ! وقَدْ سمِعْنَا وشَهِدْنَا. ويَقُولُ التَّابِعِيّ: اللهُمَّ قَدْ حَدَّثَنِي بِهِ مَنْ أصَدِّقُهُ وأئْتَمِنُهُ مِنَ الصَّحَابَةِ.
فَقَالَ: انْشِدُكُمْ اللهَ إلَّا حَدَّثْتُمْ بِهِ مَنْ تَثِقُونَ بِهِ وبِدِينِهِ!
قالَ سُلَيْمٌ: فَكَانَ فِيمَا نَاشَدَهُمُ الحُسَيْنُ وذَكَّرَهُمْ أنْ قَالَ: ... انْشِدُكُمُ اللهَ أتَعْلَمُونَ أنَّ رَسُولَ اللهِ صلّى الله عَلَيْهِ وآلِهِ نَصَبَهُ يَوْمَ غَدِيرِ خُمٍّ فَنَادَى لَهُ بِالوِلَايَةِ، وقَالَ لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الغَائِبَ! قَالُوا: اللهُمَّ نَعَمْ. ومَا تَرَكَ شَيْئا مِمَّا أنزَلَ اللهُ أوْ قَالَهُ رَسُولَ اللهِ في عَلِيّ وأهْلِ بَيْتِهِ، إلّا نَاشَدَهُمُ فِيهِ، فَيَقُولُ الصَّحَابَةِ: اللهُمَّ نَعَمْ قَدْ سمِعْنَا، وتَفَرَّقُوا على ذَلِكَ.
[1] ونقل ابن الأثير الجزريّ في «الكامل في التأريخ» ج 3، ص 460 في حوادث سنة 49 ه أنّ الحسن بن على عليهما السلام توفي في هذه السنّة. سمّته جَعَدة بنت الأشعث بن قيس الكِنديّ.
[2] وجاء في بعض النسخ: سنتين.
[3] معاوية بن أبي سفيان.