كان العلّامة الحلّيّ من نوادر الدهر المرموقة، وقد كتب اسمه على صفحة التحقيق والتدقيق إلى الأبد. وهو محيط من العلم، وبحر لا حدّ له من المعرفة والتحقيق حتّى أنّ فقهاء الشيعة منذ ذلك الزمان إلى يومنا هذا محتاجون إلى كتبه الفقهيّة مثل «التذكرة»، و«التحرير»، و«المختلف»، و«المنتهى»، و«القواعد»، و«التبصرة».
وألّف في العلوم العقليّة والكلام كتباً هي: «كَشْفُ المرادِ في شَرْحِ تَجْرِيدِ الاعْتِقادِ»، و«أنْوَارُ المَلَكُوتِ في شَرْحِ فَصِّ الياقُوتِ» في الكلام، و«نِهَايَةُ المرامِ في عِلْمِ الكَلَامِ»، و«القَوَاعِدُ والمقاصِدُ» في المَنْطِقِ والطبِيعيّ والإلَهيّ، و«الأسْرَارُ الحَقِّيَّة في العُلُومِ العَقْلِيَّة»، و«الدُّرُّ المَكْنُونُ في عِلْمِ القَانُونِ» في المنطق، و«المباحِثَاتُ السَّنِيَّةُ والمُعَارِضَاتُ النَّصيريَّةُ»، و«المُقاوِمَات» الذي ناقش فيه الحكماء السابقين، و«حَلُّ المُشْكِلَاتِ مِنْ كِتَابِ التَّلْوِيحاتِ»، و«إيضَاحُ التَّلْبيس في كَلَامِ الرئيس»، الذي ناقش فيه ابن سينا، و«القَواعِدُ الجَلِيَّةُ في شَرْحِ الرِّسالَةِ الشَّمْسِيَّة»، و«الجَوْهَرُ النَّضِيدُ في شَرح التَّجْرِيد» في علم المنطق، و«إيضَاحُ المَقاصِدِ مِنْ حِكْمَةِ عَيْنِ القَوَاعِدِ»، و«نَهْجُ العِرْفَانِ في عِلْمِ المِيزانِ»، و«كَشْفُ الخِفَاء مِنْ كِتَابِ الشِّفَاء» في الحِكْمَةِ، و«تَسْلِيكُ النَّفْسِ إلى حَظيرَةِ القُدْسِ» في عِلْمِ الكَلَامِ، و«مَرَاصِدُ التدقِيقِ ومَقَاصِدُ التَّحْقِيق» في المَنْطِقِ والطَّبِيعِيّ والإلَهيّ، و«المُحاكِمَاتُ بَيْنَ شُرَّاحِ الإشَارَاتِ»، و«مِنْهَاجُ الهِدَايَةِ ومِعْرَاجُ الدِّرَايَةِ» في علم الكلام، و«اسْتِقْصَاءُ النَّظَر في القَضَاءِ والقَدَر».
وألّف العلّامة في اصول المذهب مضافاً إلى كتاب «منهاج الكرامة» كتباً اخرى مثل: «مَنَاهِج اليقين»، و«نهج الحقّ» الذي ردّ عليه فَضْل بن رُوزبهان، و«نهج المسترشدين»، و«رسالة واجب الاعتقاد»، و«كشف الحقّ ونهج الصدق»، الذي يدور حول مناظرة العلّامة مع علماء المذاهب الأربعة بحضور السلطان خدابنده. وأشار القاضي السيّد نور الله الشوشتريّ في بداية كتابه: «إحقاق الحقّ» إلى قسم من هذه المناظرة وذكر سبب تغلّب العلّامة على فقهاء المخالفين بالأدلّة الباهرة والبراهين الساطعة، إذ أدانهم عند السلطان حتّى أقرّوا بعجزهم وخُذلوا جميعاً.
وفي كتاب «مجالس المؤمنين» للشهيد القاضي نور الله أعلى الله تعالى مقامه نقلًا عن تاريخ حَافِظ أبْرو السني المتعصِّب، وغيره أنّ السلطان الجايتو محمّد المغوليّ الملقّب بشاه خدابنده لما ذكر في خاطره حقّيّة مذهب الإماميّة على الإجمال، أمر بإحضار علمائهم، وكان ممّن حضر لديه العلّامة الحلّيّ في جماعة من علماء الشيعة، فصدر الأمر الأقدس بقيام الشيخ نظام الدين عبد الملك المراغيّ الذي كان هو أفضل علماء الشافعيّة بالمناظرة مع العلّامة الحلّيّ في أمر الإمامة.
فاتّفق أن غلب العلّامة عليه بإقامة البراهين القاطعة على إثبات خلافة عليّ بن أبي طالب، وفساد دعوى الخلفاء الثلاثة، بحيث لم يبق لأحد من الحاضرين شبهة فيه.[1] ولما رأى الشيخ نظام الدين المراغيّ بهت نفسه وخجلها وانكسارها، أخذ في الثناء على العلّامة، وبيان محاسنه ومحامده، وقال: قوّة أدلّة هذا الشيخ (العلّامة) في غاية الظهور، إلّا أنّ السلف منّا سلكوا طريقاً، وسكت الخلف عن زلل أقدامهم لإلجام العوامّ، ودفع شقّ عصا أهل الإسلام. فحريّ أن لا تهتك أسرارهم، ولا يُتَظاهَر في اللعن عليهم.
قال حافظ أبْرُو بعد هذا الكلام: جرت بعد ذلك مناظرات كثيرة بين العلّامة الحلّيّ والشيخ نظام الدين المراغيّ، وكان نظام يلتزم باحترامه العلّامة فيها جميعاً، ويسعى في تعظيم حرمته كثيراً[2] انتهى.
وهذه منقبة للعلّامة يقيناً إذ له منّة على مذهب التشيّع، وأنّها عناية عظيمة للشيعة وأهل الحقّ. ولا ينكر ذلك أحد من المخالفين والمؤالفين حتّى أني رأيت في بعض تواريخ العامّة أنّ أصحابها سردوا القصّة بالنحو الآتي: من الوقائع المرة سنة 707 ه إظهار خدا بنده التشيّع بإضلال ابن المُطَهَّر الحلي.
ومن الواضح أنّ هذا الكلام نابع من قلب محروق لا مجال عنده لإنكاره.[3]
وأخذ العلّامة بعد ذلك بتشييد أساس الحق، وترويج المذهب على حسب ما يريد بمعونة هذا السلطان الواعي والمستبصر الرءوف المحبّ للعلم. وكتب باسمه كتاب «مِنْهَاج الكَرَامة» في الإمامة، وكتاب «اليقين» المتقدّم. وبلغ من المنزلة والقرب لدي السلطان بما لا مزيد عليه. وفاق في ذلك سائر علماء حضرة السلطان مثل: القاضيّ ناصر الدين البيضاويّ، والقاضي عضد الدين الإيجيّ، ومحمّد بن محمود الآملي صاحب كتاب «نفائس الفنون» و«شرح المختصر» وغيرهما، و«الشيخ نظام الدين عبد اللمك المراغيّ، المولى بدر الدين الشوشتريّ، والمولى عزّ الدين الإيجيّ، والسيّد برهان الدين العبريّ، وغيرهم. وجميعهم كانوا خاضعين لهيمنة العلّامة ونظره.
وكان العلّامة في القرب والمنزلة عند السلطان بحيث كان لا يرضى أن يفارقه في حضر ولا سفر، وذلك حرصاً منه على حفظ أفكاره في الاستقامة على طريق الحقّ، وعدم تشويش ذهنه بالوساوس الشيطانيّة للمخالفين والمنحرفين. وأني ظهرت وسوسة من ملحد، فإنّه يجيب بعلمه وحكمته. لذلك أمر السلطان لجنابه بترتيب مدرسة سيّارة ذات حجرات للطلّاب، ومدارس من الخيام الكرباسيّة[4] للتدريس. وأينما كان يذهب خدابنده مع جيشه أو بدونه، كانت هذه المدرسة السيّارة للعلّامة ترافقه. وإذا ما وقف السلطان في مكان، ونزل في منزل، فإنّ هذه المدرسة الكرباسيّة تنصب فوراً، ويشرع الطلّاب والمدرّسون في المطالعة والتأليف والتصنيف مع ذلك العالم الجليل.
ونقل أنّه وجدت في أواخر بعض الكتب للعلّامة هذه الجملة: وقع الفراغ من هذا الكتاب في المدرسة السيّارة السلطانيّة في كرمانشاهان.
وإنّ تأسيس هذه المدرسة المهمّة من قبل خدابنده غير بعيد، إذ جاء في كتب التأريخ أنّه كان يحبّ العلم، ويحبّ العلماء حبّاً شديداً، ويعتني بالعلماء والصلحاء، فلهذا حصل للعلم والفضل في زمانه ازدهار تامّ، ورواج كثير. ومن العجيب أنّ وفاة العلّامة اتّفقت في سنة وفاة السلطان المذكور.[5]
درس العلّامة علم الكلام والفقه والاصول والعربيّة وسائر العلوم الشرعيّة عند خاله المحقّق نجم الدين أبي القاسم صاحب الشرائع، وعند أبيه الشيخ سديد الدين يوسف، ودرس المطالب العقليّة والفلسفة والحكمة عند استاذ البشر والعقل الثاني عشر: الخواجة نصير الدين الطوسيّ، والشيخ عمر الكاتبيّ القزويني، وغير هؤلاء سواء كانوا من الخاصّة أو العامّة. واستفاد علميّاً من الأخوين العظيمين عليّ بن طاووس، وأحمد بن طاووس أيضاً.[6]
[1] قال القاضي نور الله الشوشتريّ في كتاب «مجالس المؤمنين»، في المجلس الخامس، ص 246 بعد نقل هذه القصّة وقصّة السيّد الموصليّ الذي اعترض على العلّامة فيما يخصّ الصلوات على آل محمّد، وبهته العلّامة بجوابه البِكر والبديع بداهةً: قال المؤلّف: إنّ من بدائع الاتّفاق أني ناظرت يوماً أحد السادة السيفيّين القزوينيّين في مبحث الإمامة. وبعد أن ثبتت حجّتي عليه، عجز وقال: لو كان مذهب الإماميّة على حقٍّ في موضوع الإمامة، فلما ذا لم يناظر كثير من علمائه علماءَ أهل السُّنّة في هذه المدّة؟ ولم يُحقّوهم بحقيقة مذهبهم؟ ولم يصرفوهم عن مذهب السلف؟ فقلتُ: إنّ أهل السنّة هم السواد الأعظم دائماً، وإنّ السلاطين كانوا يرون مصلحتهم في الاقتداء بمذهبهم، وكانوا يجهدون في إطفاء نور التشيّع. ولا جرم أنّ هذه الطائفة لم تستطع أن تظهر مذهبها. وعلى الرغم من هذا، فإنّ أفرادها متى حصلوا على أقلّ دعمٍ ومددٍ من سلاطين عصرهم، فإنّهم يفتحون باب المناظرة، وقد طووا في هذا الباب طريق إلزام الخصوم وإفحامهم. كما حدث ذلك في عصر البويهيّين إذ ناظر الشيخ المفيد والشريف المرتضى علم الهدى وغيرهما من علماء الإماميّة معاصريهم من علماء السنّة، وألزموهم وهزموهم. وناظر الشيخ جمال الدين علماء السنّة في عهد السلطان محمّد خدابنده، وألزمهم بحجّته إلزاماً تامّاً. ولما كان ذلك القزوينيّ المعاند يزعم أنّه سيّد، وكان من حزب السنّة كالسيّد الموصلي، لذا رأيتُ من المناسب نقل المناظرة المذكورة التي جرت بين الشيخ والسيّد الموصلي. ولما بلغت قولي إنّ الشيخ خاطب السيّد الموصليّ قائلًا: أي مصيبة أسوأ من انتساب ولد مثلك إليهم، وكنتُ اشير بأنملتي في أثناء التقرير إلى ذلك القزوينيّ غير السيّد. وأعتبر مناظرته معي كمناظرة السيّد الموصليّ مع الشيخ جمال الدين، وذلك من ملاحظة تلك الإشارة، واشتراكه مع السيّد الموصليّ في دعوى السيادة وإظهار مذهب أهل السنّة، وخجل ووضع يده على صدره، وقال: الحقّ أنّك آذيتنا بظرافة وبراعة.
علما سبق أن نقلنا قصّة السيّد الموصليّ مع العلّامة في الجزء الثالث من كتابنا هذا، في الدرس التاسع والثلاثين.
[2] «مجالس المؤمنين» ص 245 و246، المجلس الخامس في ترجمة العلّامة الحلي.
[3] وردت القصّة المفصّلة لتشيّع السلطان محمّد خدابنده على يد العلّامة الحلي أعلى الله مقامه في الجزء الثالث من «مستدرك الوسائل» ص 460، وفي الجزء الثاني من «سفينة البحار» ص 734 في مادّة شَيَع. ونحن ذكرناها أيضاً بحمد الله ومنّه في الجزء الثالث من كتابنا هذا، في الدرس الثامن والثلاثين والتاسع والثلاثين. وذكر الشيخ محمّد نبي التويسركاني في أواخر كتاب «لئالى الأخبار» من ص 651 إلى ص 656 مطالب حول تشيّع خدابنده، وبطلان المذاهب الأربعة والفتاوى الخاطئة والموحشة لرؤساء المذاهب الأربعة، والفسق والفجور الشائعين في العامّة وجاء هذا الموضوع في موضعين من كتاب «مجالس المؤمنين»: الأوّل: في المجلس الخامس عند ترجمة العلّامة من ص 245 إلى 248.
و الثاني: في المجلس الثامن عند ترجمة السلطان محمّد خدابنده، من ص 402 إلى 405.
[4] الكرباس كلمة فارسية تعنى قماش منسوج باليد من خيوط القطن.
[5] إنّ ما ذكرناه عن العلّامة الحلّيّ هنا مقتطف من مطالب «روضات الجنّات» ج 2، ص 269 إلى 286، الطبعة الحديثة.
[6] جاء في حاشية «روضات الجنّات» ج 2، ص 287 عن القاضي ناصر الدين البيضاويّ أنّه كتب إلى العلّامة رسالة صدّرها بقوله: يا مولانا جمال الدين أدام الله فواضلك أنت إمام المجتهدين في علم الاصول ... إلخ. ونقل أحد سادتنا الأعزّاء عن فضيلة الشيخ محمّد تقي القمّيّ عضو دار التقريب، أنّه قال: أعطيت أحد العلماء من الطراز الأوّل في الجامع الأزهر كتابين أحدهما: «التذكرة» للعلّامة الحلي؛ والآخر: «الخلاف» للشيخ الطوسيّ: إذ كان يرغب في الاطّلاع على أقوال الشيعة وفتاواهم، ومواطن خلافهم مع السنّة. ولما طالعهما، أولع بهما، وراقه تمكّن هذين العالمين العظيمين، وتفوّق آرائهما على آراء العامّة في كلّ مسألة، حتّى قال: أستطيع أن أجد أقوال علماء العامّة كمالك، والشافعيّ، وأبي حنيفة، وأحمد بن حنبل، وسفيان الثوريّ، وغيرهم في هذين الكتابين أفضل ممّا أجده في كتبنا، لذلك أشعر منذ أن طالعتهما أني كلما أردت أن أقع على مسألة توافق قول أحد علمائنا، فإنّي أرجع إليهما، وأصدف عن مراجعة كتبنا.