في الدين الإسلاميّ المقدّس عيدان هما الفطر والأضحى. أمّا عيد الفطر فقد شُرِّع بسبب إعراض الناس عن الإفراط في الشهوات خلال شهر واحد هو شهر رمضان، إذ صاموا أيّامه، وقاموا لياليه، وارتقت الحالة الروحانيّة والمعنويّة فيهم من خلال ما عملوه من الصالحات أكثر من سائر الأيّام كالإنفاق في سبيل الله، وتلاوة القرآن الكريم أكثر، والعزوف عن المحرّمات والمكروهات، وتطهير النفس الأمّارة وتزكيتها، وتيسّر لهم التخفّف والتجرّد وإمكان العروج إلى عوالم القدس، لأنّ الطعام، والشهوة، والغضب مفاتيح جهنّم ومقاليد سلطة الشيطان. وفي هذا الشهر، جعل الله الجوع والعطش مائدته السماويّة لضيوفه، ويستبين أنّها أفضل تحفة من ربّ الأرباب.
وينبغي أن نتّخذ ذلك اليوم عيداً، ونستلم عيديّتنا من الله الكريم الرحيم في هذا الوقت الذي هو وقت الحصول على النتيجة والأجر. بَيدَ أنّ الاحتفال بالعيد لا يعنى العزف والضرب على الطبول، ولا يعني تناول الحلويّات وارتداء الملابس الملوّنة، ولا التنزّه البهيمي، بل يعني درجة عليا من التزكية والتطهير، وصقل أفضل للنفس كي تستعدّ للبركات ونزول الموائد السماويّة.
ويستحبّ في ليلة عيد الفطر غسلان: أحدهما في أوّل الليل، والثاني في آخره. وتلك الليلة هي ليلة الإحياء، أي: الانشغال بالعبادة والقيام والذكر، ذكر المحبوب والمعشوق الأزلي والحبيب السرمديّ. ويستحبّ الغسل في يوم العيد أيضاً.
ونشهد في يوم العيد الذهاب إلى صلاة العيد، وإقامتها في الصحراء مع جميع الناس، وأداءها بكيفيّة خاصّة، في ركعتين وتسعة قنوتات، وإطلاق اللسان بذكر التهليلات: اللهُ أكْبَرُ، اللهُ أكْبَرُ، لَا إله الَّا اللهُ واللهُ أكْبَرُ، اللهُ أكْبَرُ، ولِلَّهِ الحَمْدُ، والحَمْدُ لِلَّهِ على مَا هَدَانَا ولَهُ الشُّكْرُ على مَا أوْلَانَا.
وأمّا عيد الأضحى، فقد شُرّع بسبب ترك الناس بيوتهم وأوطانهم ومكاسبهم وأعمالهم وصيتهم وجاههم وجميع ما يتعلّقون به عشقاً للقاء وجه الله. ويتوجّهون شطر المسجد الحرام من كلّ فجّ عميق، ويؤدّون المناسك من طواف وسعي ووقوف في عرفات خارج الحرم، ثمّ الدخول في الحرم والمشعر، ويستريحون في المزدلفة ليلًا بإذن الدخول الذي حصلوا عليه من الله، ثمّ يأتون إلى مِنى، ويرجمون الشيطان سبعاً، وينحرون، ويحلِّقون، وهم حفاة حاسرو الرءوس في هذه المدّة يبحثون عن الحبيب ويتحرّون.
ومن المناسب أن يعيّدوا ويبتهجوا عند خروجهم من الإحرام شكراً للّه على قبول هذه الأعمال الشاقّة. والمُلذّة في آنٍ واحد. ثمّ يحمدوا الله ويتهيّأوا لمراسم العيد التي تمثّل ذكراً للّه وتطهيراً أكثر، ويؤدّوا صلاة العيد، ويطلقوا ألسنتهم بالتقديس والتمجيد الإلهيّ، وبيان جمال الله وجلاله، والنطق بمحاسنه ومواطن جماله، وإعلان الوحدة، وتوحيد الذات والأسماء والصفات والأفعال في العالم، والقول: اللهُ أكْبَرُ، اللهُ أكْبَرُ، لَا إله الَّا اللهُ واللهُ أكْبَرُ، اللهُ أكْبَرُ ولِلَّهِ الحَمْدُ، اللهُ أكْبَرُ على مَا رَزَقَنَا مِنْ بَهيمَةِ الأنْعَامِ، الحَمْدُ لِلَّهِ على مَا أبْلَانَا.
وليس الحجّاج فحسب، بل إنّ كافّة المسلمين في شتّى بقاع العالم ينبغي أن يبتهجوا بهذه الموهبة العظمى التي حازها إخوانهم في تلك المواقف الكريمة، وينحروا بعد الأعمال التي قاموا بها في ذي القعدة والأيّام العشرة الاولى من ذي الحجّة، ويقيموا صلاة العيد، ويذهبوا إلى الصحراء حفاة مع الإمام من أجل الجماعة.
إن يوم الجُمُعَة عيد أيضاً لأنّه يوم اجتماع الناس لصلاة الجمعة، وسماع الخطبتين، والتطهير. ولذلك سمّاه الله بهذا الاسم: الجُمُعَة، أي: يوم اجتماع الامّة الإسلاميّة وتلاحمها. وكان يقال له قبل الإسلام: يَوْمُ العُرُوبَةِ. وأوجب الإسلام صلاة الجمعة وجوباً عينيّاً تعينيّاً في كلّ زمان إلى يوم القيامة، ولعن تاركها. ولكن شرط صحّتها، الجماعة وإشراف وإمامة الإمام العادل أو المنصوب من قبله. فالإمام هو الذي يقيمها عند حضوره. وفي زمن الغيبة، يقيمها الفقيه العادل الجامع للشرائط القائم بمهامّ الإمام بأدلّة النيابة العامّة.
إن صلاة الجمعة واجبة وجوباً مطلقاً لا وجوباً مشروطاً كالحجّ المشروط وجوبه عند الاستطاعة، بل هي كصلاة الظهر من حيث الطهارة والغسل والوضوء. لذلك فإنّ الإمام وحاكم الشرع هو شرط الانعقاد والصحّة والشرط الواجب لا شرط الوجوب. فلهذا إذا كان الإمام في الغيبة، ولم تكن للفقيه الجامع الشرائط قدرة على الحكومة، إذ يعيش في التقيّة، فإنّ الناس جميعهم آثمون لترك صلاة الجمعة، لأنّهم يتركون صلاة عينيّة تعيينيّة لها أهمّيّتها الفائقة.
ويجب على اولئك كلّهم النهوض وتأسيس الحكومة الإسلاميّة ليظهر الإمام النائب، أو يصبح الفقيه مبسوط اليد بعد أن كان مقبوضها، ويتمكّن من إجراء الحدود، والذبّ عن ثغور الإسلام. ومن واجبات الحاكم إقامة صلاة الجمعة في نطاق حكومته.
إن الأشخاص الذين لا يقيمون صلاة الجمعة في زمن الحكومة الجائرة يعذّبون لعدم تأسيسهم حكومة إسلاميّة تُقام صلاة الجمعة في ظلها. وإذا لم يتوفّر الحاكم المطلوب، فإنّ صلاتهم غير صحيحة، ومرفوضة.
من هذا المنطلق، فإنّ يوم الجمعة هو يوم العيد والاجتماع، ويطهُرُ الناس فيه، ويخرجون من الأخطاء والذنوب التي ارتكبوها طيلة الاسبوع، ويستجاب الدعاء في ذلك اليوم. وتحظى ليلة الجمعة أيضاً بأهمّيّة وخصوصيّة للتهيّؤ والاستعداد للقيام بواجبات نهارها. وتتميّز هذه الليلة عن سائر الليالي.