قال الفخر الرازيّ في ذيل الآيات: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقامٍ أَمِينٍ، فِي جَنَّاتٍ وعُيُونٍ، يَلْبَسُونَ مِنْ سُندُسٍ وإِسْتَبْرَقٍ مُتَقابِلِينَ، كَذلِكَ وزَوَّجْناهُمْ بِحُورٍ عِينٍ، يَدْعُونَ فِيها بِكُلِّ فاكِهَةٍ آمِنِينَ، لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولى ووَقاهُمْ عَذابَ الْجَحِيمِ، فَضْلًا مِنْ رَبِّكَ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ}.[1]
واحتجّ أصحابنا بهذه الآية على أنّ الثواب يحصل تفضّلًا من الله تعالى لا بطريق الاستحقاق. لأنّه تعالى لما عدّد أقسام ثواب المتّقين، بيّن أنّها بأسرها إنّما حصلت على سبيل الفضل والإحسان من الله تعالى. وقال بعد ذلك: ذلك هو الفوز العظيم. واحتجّ أصحابنا بهذه الآية على أنّ التفضيل أعلى درجة من الثواب المستحقّ، فإنّه تعالى وصفه بكونه فضلًا من الله، ثمّ وصف الفضل من الله بكونه فوزاً عظيماً.
ويدلّ عليه أيضاً أنّ الملك العظيم إذا أعطى الأجير اجرته، ثمّ خلع على إنسان آخر، فإنّ تلك الخلعة أعلى حالًا من إعطاء تلك الاجرة.[2]
وقال ابن كثير نفسه في تفسير هذه الآية الكريمة: ثبت في الصحيح عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم أنّه قال: اعْمَلُوا وسَدِّدُوا وقَارِبُوا واعْلَمُوا أنَّ أحَداً لَنْ يُدْخِلَهُ عَمَلُهُ الجَنَّةَ! قَالُوا: ولَا أنْتَ يَا رَسُولَ اللهِ؟! قَالَ: ولَا أنَا إلَّا أنْ يَتَغَمَّدَنِي اللهُ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وفَضْلٍ.[3]
ومن هنا نقف على أنّ الثواب الإلهيّ بمقدار ما يكشف العمل عن حقيقة الإيمان. وكلما كان الإيمان والخلوص أكثر، كانت المثوبة أكثر. ومعلوم أنّ الإيمان والإخلاص اللذين هما من الصفات النفسيّة أدقّ وألطف وأظرف من الأعمال البدنيّة والخارجيّة المشهودة من واجبات ومحرّمات ومستحبّات ومكروهات، إذ يكشفان مقام الامتثال في العبد، ويبيّنا مقدار حبّه وحقيقته. وهذه هي الأعمال المستحبّة والنوافل التي يؤدّيها العبد طائعاً راغباً بلا إلزام وإيجاب، تدنيه من مقام القرب، وتجعل له موضعاً في حرم الأمن والأمان الإلهيّ، وتصيّره جليساً وأنيساً وكليماً وحبيباً للّه. وحينئذٍ لا يكون الثواب ثواب صيام ستّين شهراً، بل ستّين عاماً، أو بحجم عمر الدهر، كما جاء في بعض الروايات الاخرى، وبصورة عامّة، عند ما يخرج العبد في عمله ونيّته من الحدود والتعيّن إلى اللاتَعَيُّن، فليس هناك إلّا الله وجماله وجلاله وبحر عظمته الذي لا حدّ له، ومحيط علمه وحياته وقدرته الذي لا أمد له. وليس هناك حدّ ومقدار وحجم وكمّ وكيف وأين ومتى وجِدَة وفعل وانفعال. وهناك عالم التوحيد الذي لم يزل ولا يزال. وهناك بحر الإيقان والإيمان العميق، والانصهار في القبسات الربّانيّة والنفحات السبحانيّة.
[1] الآيات 51 إلى 59، من السورة 44: الدخان.
[2] «تفسير الفخر الرازيّ» ج 7، ص 477، طبعة مطبعة السعادة.
[3] «تفسير القرآن»، لابن كثير، ج 6، ص 262، طبعة دار الفكر، وجاءت هذه الرواية في «صحيح البخاريّ» ج 8، ص 98 و99، كتاب الرقاق، طبعة بولاق سنة 1312 ه عن أبي هريرة وعائشة. وفي رواية أبي هريرة إضافة هي: سَدِّدُوا، وقَارِبُوا، واغْدُوا، ورُوحُوا، وشَيء مِنَ الدُّلْجَةِ، والقَصْدَ القَصْدَ تَبْلِغُوا!