قال الله الحكيم في كتابه الكريم: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا، أُولئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ ويَلْبَسُونَ ثِياباً خُضْراً مِنْ سُنْدُسٍ وإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيها عَلَى الْأَرائِكِ نِعْمَ الثَّوابُ وحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً}.[1]
نلحظ في هذه الآية المباركة أنّها جعلت لباس أهل الجنّة من اللون الأخضر، ومن السندس والإستبرق اللذين هما من أحسن أنواع الحرير.
{إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقامٍ أَمِينٍ، فِي جَنَّاتٍ وعُيُونٍ، يَلْبَسُونَ مِنْ سُندُسٍ وإِسْتَبْرَقٍ مُتَقابِلِينَ}.[2]
فالناس المتّقون الذين يخافون الله وهم في عصمته وحفظه في مقامٍ أمين ومحلّ ليس فيه أذى. وفي جنّات مغطّاة بالأشجار إلى جانب العيون والأنهار وهم يرتدون السندس والإستبرق ويجلسون متقابلين.
{إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ ولُؤْلُؤاً ولِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ، وهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وهُدُوا إِلى صِراطِ الْحَمِيدِ}.[3]
واعتبرت هذه الآيات المباركة أيضاً لباس أهل الجنّة من السندس والإستبرق والحرير.
إن هذا الضرب من اللباس جزاء أو تجسيد للباس التقوى والأثواب البسيطة غير الملوّثة التي كانت لهم في الدنيا. ذلك أنّ التزيّن بالذهب وارتداء الحرير الخالص يحرمان على الرجال في الشريعة الإسلاميّة. فالرجال والنساء المؤمنون المتّقون الذين يتحرّكون على نهج الأصالة والتحقيق والولاية، ولباسهم بسيط واقتصاديّ يرتدون يوم القيامة لباس الإستبرق والحرير.
وقال أمير المؤمنين عليه أفضل التحيّة والسلام في لباس المتّقين عند حديثه عن صفاتهم في خطبة همّام: ومَلْبَسُهُمُ الاقْتِصادُ.[4] ويكتفون في إشباع شهواتهم وميولهم النفسانيّة بقدر الحاجة في ضرورة الحياة ومواصلتها.
وعلى هذا فإنفاقهم في الشؤون الخاصّة يقتصر على أشياء بسيطة كاللباس الذي يستر أجسامهم، بَيدَ أنّهم يتوسّعون في الخيرات والمبرّات والإيثار فيشمل توسّعهم نطاقاً شاسعاً من عمل الصالحات.
قال في «مصباح الشريعة» قال الصَّادق عليه السلام: أزين اللباس للمؤمن لباس التقوى. وأنعمه الإيمان. قال الله تعالى: {وَلِباسُ التَّقْوى ذلِكَ خَيْرٌ}.[5]
وأمّا اللباس الظاهر فنعمة من الله تعالى تستر بها عورات بني آدم. وهي كرامة أكرم الله بها ذريّة آدم ما لم يكرم بها غيرهم. وهي للمؤمنين آلة لأداء ما افترض الله عليهم.
ثمَّ قَالَ: وخَيْرُ لِبَاسِكَ مَا لَا يَشْغَلُكَ عَنِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ، بَلْ يُقَرِّبُكَ مِنْ ذِكْرِهِ وشُكْرِهِ وطَاعَتِهِ، ولَا يَحْمِلُكَ على العُجْبِ والرِّيَاءِ والتَّزْيينِ والتَّفَاخُرِ والخُيَلاءِ، فَإنَّهَا مِنْ آفَاتِ الدِّينِ ومُورِثَةُ القَسْوَةِ في القَلْبِ.[6]
نلحظ هنا أنّ الإمام الصادق عليه السلام يرى أنّ أفضل لباس هو اللباس الذي لا يشغل الإنسان عن الله بغيره. وهذا كلام جامع وكامل يمكن أن نفرّع منه فروعاً كثيرة.
ذلك أنّه جعل المعيار الوحيد للباس من حيث جنسه ونوعه، وقدمه وجدته، وقيمته وتفاهته، وسائر الجهات الاخرى هو أنّه لا يشغل الإنسان عن الله بغير الله. وهذا كلام كلي وعامّ يشمل ملابس متنوعة حسب المصاديق المختلفة.
إذ إنّ البعض عند ما يرتدي لباساً قشيباً، يغفل عن ذكر الله. فلا ينبغي له أن يرتديه. والبعض الآخر عند ما يرتدي لباساً قديماً ومرقّعاً، فإنّه يركّز نظره وانتباهه على قِدَمه وترقيعه، فليس له أن يلبسه، ذلك أنّه عند ما يشغل باله باللباس، سواء من حيث جماله، أم من حيث قِدَمه، فإنّ هذا الانشغال انشغال بغير الله.
ويجب أن يكون اللباس عاديّاً، ولا يثير اختلافاً عند لابسه، قديماً كان أم جديداً، ومرقّعاً كان أم سليماً، ويكون عاديّاً تماماً، ولا يجلب انتباه صاحبه، وإلّا فإنّ جلب الانتباه هذا مذموم.
وكذلك يمكن بتنقيح المناط القطعيّ أن نستنتج من هذه العبارة ما يأتي: خَيْرُ مَعَاشِكَ مَا لَا يَشْغَلُكَ عَنِ اللهِ. وخَيْرُ دَارِ سُكْنَاكَ مَا لا يَشْغَلُكَ عَنِ اللهِ، وخَيْرُ رَفِيقِكَ مَنْ لا يَشْغَلُكَ عَنِ اللهِ، وخَيْرُ زَوْجَتِكَ مَنْ لا تَشْغَلُكَ عَنِ اللهِ! وخَيْرُ بَنِيكَ مَنْ لَا يَشْغَلُونَكَ عَنِ اللهِ! وخَيْرُ وَطَنِكِ! وخَيْرُ عُمْرِكَ! وخَيْرُ عِلْمِكَ! وخَيْرُ عَمَلِكَ! وهَلُمَّ جَرَّاً!
ونقل المحدّث القمّيّ عن الشيخ إبراهيم البيجوريّ شارح «الشمائل المحمديّة» أنّه قال في لباس رسول الله صلّى الله عليه وآله: إنّ المصطفى صلّى الله عليه وآله قد أثر رثاثة الملبس، وكان أكثر لبسه الخشن من الثياب. وكان يلبس الثوب ولم يقتصر من اللباس على صنف بعينه، ولم تطلب نفسه التعالى فيه بل اقتصر على ما تدعو إليه ضرورته، لكنّه كان يلبس الرفيع منه أحياناً. فقد اهديت له حلّة اشتريت بثلاثة وثلاثين بعيراً أو ناقة فلبسها مرّة.
إلى أن قال: وقد تبع السلف النبيّ صلّى الله عليه وآله في رثاثة الملبس إظهاراً لحقارة ما حقّره الله لما رأوا تفاخر أهل اللهو بالزينة والملبس. والآن قست القلوب ونسي ذلك المعنى، فاتّخذ الغافلون الرثاثة شبكة يصيدون بها الدنيا فانعكس الحال.
وقد أنكر شخص ذو أسمال على الشاذلي. جمال هيئته، فقال: يا هذا! هيئتي تقول: الحمد للّه، وهيئتك تقول: اعطوني!
وفي «نهج البلاغة» لما رؤي على أمير المؤمنين عليه السلام إزار خلق مرقوع، فقيل له في ذلك. فقال: يخشع له القلب، وتذلّ به النفس، ويقتدي به المؤمنون.
[1] الآيتان 30 و31، من السورة: 18: الكهف.
[2] الآيات 51 إلى 53، من السورة 44: الدخان.
[3] الآيتان 23 و24، من السورة 22: الحجّ.
[4] «نهج البلاغة» الخطبة 191.
[5] الآية 26، من السورة 7: الأعراف.
[6] «مصباح الشريعة»: الباب السابع.