قبّعة المسلمين ولباسهم ينبغي أن يكونا مثل ما كان لرسول الله منهما
المؤلف:
السيّد محمّد الحسين الحسينيّ الطهرانيّ
المصدر:
معرفة الإمام
الجزء والصفحة:
ج9، ص250-253
2026-02-15
826
إنّ رسول الله كان اسوة بارزة وماثلة وقابلة للتأسّي الصالح، سواء في الامور الدنيويّة أم الاخرويّة، والظاهريّة أم الباطنيّة، والفرديّة أم الاجتماعيّة، واللباس والمسكن، والغذاء، والنكاح، والحرب والسلم.
وما دام المسلمون يتّبعون ذلك المَعْلم[1] الحقّ المتحقّق بالحقيقة في هذه الامُور، وكانت قبّعتهم بسيطة، وعمامتهم على رأسهم، ولباسهم واسعاً، ولم يكن قصيراً، وفراشهم بسيطاً بلا تجملّ، وبيوتهم وعوائلهم على ذلك المنهاج، فإنّ حياتهم طيّبة مقرونة بالعيش الهانئ، وهدوء البال، وسكينة الخاطر. ويقضون أعمارهم بالصحّة وسلامة الروح والعزّة واطمئنان الفكر والإيقان والإيمان.
وعند ما ترك المسلمون تلك التقاليد والآداب بسبب سيطرة الغرب، وغلبة الكفّار عليهم، لبسوا القبّعات، ووضعوا الرباط والزنّار الذي هو الصليب الخاصّ بالنصارى، وضيّقوا لباسهم وقصّروه، حتّى بلغ تحت الظهر، بحيث إنّهم إذا انحنوا، فإنّ أجسامهم تظهر من تحت اللباس، ولبسوا السترة والبنطلون بدل الإزار والجبّة.[2] وحلقوا لحاهم. وبصورة عامّة، أنّ رجالهم ونساءهم على السواء قلّدوا آداب الكفر، وخاطوا ملابسهم مطابقة لأزيائهم، وعيّنوا نوعها وموضتها وفقاً ذلك، وتختّموا بحلقة أو خاتم من الذهب في يدهم اليسرى، بدل التختّم بخاتم فضّة أو الفيروزج أو العقيق بيدهم اليُمنى، وارتدوا لباس الذلّة والأسر، واستُرقّوا خاضعين للسيطرة الفكريّة التي تفرضها حكومة الكفر عليهم، ففقدوا بذلك السعادة بكلّ ضروبها، وضيّعوها مجّاناً، ونشروا على رؤوسهم تراب الذلّة والمسكنة وعسر المعيشة والحياة الضنكى والذليلة بأيديهم.
في أي ملّة ومذهب، وأي طريقة ودين، وأي عقل وضمير طاهر، يسمح الإنسان لنفسه أن يحلق لحيته في كلّ يوم؟! هل وردت فيه مصلحة في كتب الطبّ؟ أو أنّ له علامة وأمارة في كتب الآداب؟ أو جاء في كتب الاقتصاد شرح لثمراته ومعطياته؟ وفي أي منطق وحكم يجيز المرء لنفسه أن يرتدي لباساً ضيّقاً، ويُمنى بأنواع المرض؟ هل الرباط والزُّنَّار والصليب منطقيّ وبرهاني، وهو الذي كان يشدّه النصارى على بطونهم قبل الحروب الصليبيّة، ثمّ شدّوه على أعناقهم بعدها، وتعليقه في العنق من المحرّمات، وهو من الملابس المختصّة بالكافرين، كما أنّه يبطل الصلاة؟ وهل لخاتم الذهب من دليل وبرهان؟ وهو الذي لا شكّ في حرمته للرجال، ولا ريب في إبطاله الصلاة؟ أليست هذه الفصوص الجميلة والقيّمة التي أجازها الإسلام كالفيروزج، والياقوت، والعقيق، والدُّرّ، والزبرجد، واللؤلؤ، والزمرّد أجمل من لبس خاتم الذهب لو صيغت على الفضّة جيّداً؟ في أي حساب أعمى يجيز المسلم لنفسه أن يقوم بهذه الأعمال والتصرّفات، ويقلّد تقليداً بحتاً أشخاصاً لا ثقافة لهم، ولا دين، ولا شرف، ولا فضيلة، ولا علم ولا تقوى، ولا إيثار ولا حميّة، ولا ناموس ولا غيرة؟! ألم تكن الآية الكريمة: {وَلَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ والْيَوْمَ الْآخِرَ} كافية لأن توقظ هؤلاء وتنبّههم؟ نعم، إنّها كافية بحمد الله. ونرى اليوم شباباً أذكياء من شباب الامّة الإسلاميّة قد طرحوا جميع تلك الآداب والتقاليد التي كان يعمل بها الشيوخ الطاعنون في السنّ المصابون بمرض الاستعمار، واتّخذوا ذلك المنهاج هزواً، وقد أقبلوا على الثقافة الإسلاميّة الأصيلة ببصر ثاقب، وبصيرة حادّة، وذهن وقّاد، وتفحّص وتحسّس جدير بالثناء، ولم يجدوا في طريقهم عقبة إلّا وحطّموها بزحفهم القويّ المتواصل ... وهم يقتربون أكثر من هدف النبيّ الكريم ومناره، ويشربون من كأس الجنّة، وينشدّون إلى ذلك المنهاج القويم وبرنامج الحياة الأساس، ويسعون بوعي لبلوغ تلك الحقائق الأصيلة، ومحو الاعتبارات الزائفة، والأفكار والأوهام الواهية على كرور الايّام.
شَكَرَ اللهُ مَسَاعِيَهُمُ الجَمِيلَةَ وبَلَّغَهُمْ غَايَةَ مُنَاهُمْ على النَّهْجَةِ المَرْضِيَةِ.
[1] معلم: مفرد معالم: ما يستدل به على الطريق (المنجد)
[2] ذكر الطبريّ، وابن الأثير الجزريّ في تاريخهما، ونقل المحدّث القمّيّ عنهما أيضاً ما نصّه: ولمّا بقي الحسين في ثلاثة أو أربعةً، دَعَا بِسَرَاويل مُحَقَّقَةَ يَلْمَعُ فِيهَا البَصَرُ، يماني مُحَقَّق، ففزَّرَهُ ونَكَثَهُ لِكَيْلَا يُسْلَبَهُ. فَقَالَ لَهُ بَعْضُ أصْحَابِهِ: لَوْ لَبستَ تَحتَهُ التُّبَّان! قَالَ: ذَلِكَ ثَوْبُ مَذَلَّةٍ ولَا يَنْبَغِي لي أن ألَبسَهُ، فَلَمَّا قُتِلَ سَلَبَهُ بَحْرُ بْنُ كَعْبٍ فَتَرَكَهُ مُجَرَّداً. (التُّبَّان والتُّنبان سروال قصير يبلغ طول كلّ فردة منه شبراً) (تاريخ الامم والملوك للطبريّ، طبعة مطبعة الاستقامة بالقاهرة سنة 1358، ج 4، ص 245، وطبعة دار المعارف بمصر، الطبعة الثانية ج 5، ص 451؛ و«الكامل في التاريخ» ج 4، ص 77، طبعة بيروت 1385،؛ و«نفس المهموم» ص 224 و225). وذكر صاحب هذا الكتاب: سراويل مخفّفة بالفاء، وهذا سهو منه، لأنّ خفّتها لا تنسجم مع السياق إلّا قليلًا، على عكس: محقّقة بالقاف، أي، قويّة النسج. أجل، إنّ القصد من بيان هذا الحديث هو أنّ الإمام الحسين عليه السلام عدّ السروال القصير من لباس الذلّة، وأبي لبسه. وعلى أساس هذه السيرة الإسلاميّة تمتنع الامّة المسلمة من ارتداء اللباس القصير مطلقاً، على عكس الكفّار الذين ينتشر بينهم اللباس القصير.
0
0
لا توجد تعليقات بعد
ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى
الاكثر قراءة في مقالات قرآنية
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة