هنا تنطبق الآيات الواردة في ذمّ علماء اليهود والنصارى -الذين حرّفوا التوراة والإنجيل، وسحقوا الحقّ والحقيقة من أجل الرئاسة والتحكّم في رقاب عوامّ الناس- على علماء العامّة تماماً.
ورد في القرآن الكريم عن اليهود قوله تعالى: وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً وادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً وقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطاياكُمْ وسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ ، فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزاً مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ[1].
«واذكر عند ما قلنا ادخلوا هذه القرية (بيت المقدس)! وكلوا ما شئتم من نعمها الكثيرة الطيّبة! وادخلوا الباب سجّداً! وقولوا: اللهمّ اغفر ذنوبنا، حتّى نغفر خطاياكم ونزيد المحسنين! وبعد خطابنا هذا، بدّل الظالمون كلام الله وحكمه غير ما قيل لهم، فأنزلنا عليهم من السماء أشياء قد أزعجتهم وآذتهم بسبب ظلمهم وعصيانهم ومخالفتهم وانحرافهم وفسقهم!»
وورد قريب من هذا المضمون أيضاً: وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً وادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً وقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطاياكُمْ وسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ ، فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزاً مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ[2].
وورد أيضاً عن تغيير وتبديل الكلمات والعبارات التي تخلّ بالمعنى الأصليّ والمقصود الحقيقيّ قوله: مِنَ الَّذِينَ هادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ ويَقُولُونَ سَمِعْنا وعَصَيْنا[3].
وقال في بني إسرائيل الذين جعل لهم اثني عشر نقيباً، وأمرهم بالصلاة والزكاة والإيمان بالأنبياء، ثمّ وعدهم بالجنّة، وعدّ كفران هذه النعم ضلالة عن الصراط المستقيم، إذ نقضوا الميثاق: فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وجَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ ونَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ ولا تَزالُ تَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ واصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ[4].
ولمّا نقض بنو إسرائيل ميثاقهم، لعنّاهم وأبعدناهم من رحمتنا، وجعلنا قلوبهم قاسية (بحيث إنّ المواعظ والوعد والوعيد لم تؤثّر فيهم) إنّهم يحرّفون كلام الله عن موضعه. ونسوا قسطاً مهمّاً من الحظّ الذي ذكّروا به على أثر كلمات التوراة وكلام الله؛ ولا تزال تطّلع على الخونة منهم إلّا قليلًا منهم.
فاعف عنهم! واصفح عن خطاياهم إنّ الله يحبّ المحسنين.
وقال في بني إسرائيل أيضاً: أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ ما عَقَلُوهُ وهُمْ يَعْلَمُونَ[5].
هل تنتظرون معاشر المسلمين أن يعتنق اليهود دينكم، ويؤمنوا بالله لمصلحتكم، وقد كان فريق منهم قد سمعوا كلام الله ثمّ حرّفوه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون حقيقة معناه.
إنّ هذه الآيات وإن كانت نزلت في اليهود، ولكنّ روحها تشمل جميع الذين يحرّفون آيات الله مهما كان دينهم وقوميّتهم. وتعمّ العلماء والرؤساء الذين يغيّرون في كلمات الله والقوانين والآداب والتقاليد الإلهيّة؛ أو يحاولون إسقاط لفظ خَلِيفَتِي مِنْ بَعْدِي أو خَلِيفَتِي فِيكُمْ أو خَلِيفَتِي وأمثالها من أجل تغيير الإمارة والخلافة عن مقرّها المُستقرّ ومكانها المكين: قطب العالم وإمام زمانه: مولى الموالى أمير المؤمنين عليه أفضل صلوات المصلّين، ثمّ تحويلها إلى أمثال أبي بكر، وعمر، وعثمان، ومعاوية، وهلم جرّاً إلى سلسلة ملوك بني اميّة وبني العبّاس.
ما أعظمها من خيانة! وما أشدّه من ذنب لا يغتفر! أي استباق هذا في القرآن للقرآن نفسه؟ وأي ضرب هذا من النفع للدين والشريعة؟ وما هو هذا النمط من حماية البشر والبشريّة؟
[1] الآيتان 58 و 59، من السورة 2: البقرة.
[2] الآيتان 161 و 162، من السورة 7: الأعراف.
[3] الآية 46، من السورة 4: النساء.
[4] الآية 13، من السورة 5: المائدة.
[5] الآية 75، من السورة 2: البقرة.