كانت الدوائر السياسية البريطانية في العراق تراقب الأوضاع العامة في العراق من خلال التقارير السرية التي كان يرسلها قناصلها الموجودين في بغداد والبصرة والموصل حول أوضاع الجيش العثماني وتحركاته، وإرسال الخرائط عن الأماكن والطرق في العراق(1)، وكذلك مواقف العراقيين من الحرب ومن الدولة العثمانية نفسها التي حكمتهم منذ أكثر من أربعمائة عام، ومدى تذمرهم من سياسة الولاة المتعاقبين وممارسات السلطة، والموقف من التجنيد الإجباري العثماني، وهذه الأمور كانت تراه بريطانيا ذات أهمية كبيرة قبل قيامها بغزو العراق.
كانت الأوضاع في الدولة العثمانية قد تدهورت بشكل كبير منذ أواخر الفرن التاسع عشر الميلادي ومطلع القرن العشرين؛ نتيجةً للسياسات الداخلية والتدخلات الخارجية، الأمر الذي أدّى إلى قيام ثورة الاتحاد والترقي عام 1908م، ضد حكم السلطان عبد الحميد الثاني، وتسلّط فئة عسكرية ذات توجهات قومية على السياسات العثمانية من خلال اتباع سياسة التتريك، ومن ثم الطورانية اتجاه الشعوب والقوميات في مناطق الدولة، ولم يكن العراق بمنأى عن تلك الأحداث، إذ حدث انقسام كبير داخل المجتمع العراقي بين أنصار الحرية والتقدّم من المثقفين والنخب المطالبين بتغيير الواقع المزري الذي عاشه العراقيون، والمطالبة بالحرية والتعددية والمساواة التي جاءت بها جماعة الاتحاد والترقي من خلال نشر تلك الأفكار والمطاليب في الصحف والمجلات التي أنشأت آنذاك، لكن هؤلاء سرعان ما اصطدموا بالواقع الجديد وما قام به الحكام الاتحاديون الجدد من ممارسات سياسية متشددة، وكذلك محاولة التدخل في نتائج
الانتخابات لانتخاب ممثلي الولايات العراقية في مجلس المبعوثين العثماني. وفي المقابل وقفت الاتجاهات المحافظة ضد الحكم الجديد وعدت ما قام به الاتحاديون من ثورة بأنّها موجهة ضد الدين الإسلامي، خاصة أن بعض الممارسات التي حدثت آنذاك أثرت على هذا الموقف من خلال قيام بعض من الفئات بممارسات خاطئة باسم الحرية والمساوة من قبيل استخدام الحرية بشكل مفرط كشرب الخمور وارتكاب الموبقات وانتشار الأسلحة والملاهي في بغداد،
وهي سلوكيات كانت منافية للقيم الدينية والعادات الاجتماعية (2). ومن جهة أخرى، فإنّ الأوضاع العامة ازدادت سوءا في العراق، فمن الناحية الإدارية لم تتغير كثيرًا من قبيل تعيين عددٍ كبير من الولاة على الولايات العراقية وقصر مدة حكمهم، وتولّي عددٍ منهم من الولاة الفاسدين الذين لم يكن يههم سوى الحصول على الأموال والتسلط على المجتمع (3)، وانعكس ذلك على انتشار الفساد الإداري والمالي بين الموظفين الذين كان معظمهم من غير العراقيين من حيث استخدام مناصبهم ونفوذهم في زيادة الثراء على حساب السكان المحليين من خلال الرشوة التي انتشرت بشكل فاحش آنذاك، فيما لم تكن الإدارة الحكومية تفسح المجال لأهل القطر أن يتولوا المناصب الإدارية المهمة (4). أما بالنسبة للجوانب الاقتصاديّة، فإنّ سياسة توزيع الأراضي الأميرية وتفويضها قد أدى إلى ظهور فئات كبار الملاكين من شيوخ العشائر وكبار المتنفّذين وأصحاب الأموال، فيما تحوّلت حياة الفلاحين إلى شبه القنانة لدى صاحب الأرض، وقد يؤدّي ظلم كبار الملاكين للفلاحين إلى قيام انتفاضات فلاحية كبيرة ضدّهم كالذي حدث في لواء المنتفق عام 1913م، وقد أدّى ذلك كلّه إلى زيادة هجرة الفلاحين للبحث عن فرص العمل في المدن، وانتشار البطالة والفقر في الأوساط الاجتماعية المتوسطة والدنيا. كان أكثر ما يعانيه العراقيون من الحكم العثماني هو التجنيد الإجباري الذي كان يحتم على الأفراد الخدمة الإلزامية لسنوات طويلة وفي أماكن بعيدة حتى في خارج العراق، ثم يصار إلى تسريحهم إلى مناطقهم لخدمة الاحتياط (الرديف)
لسنوات أخرى؛ لذا وقف العراقيون ضد عمليات التجنيد الإلزامية التي كانت تقوم بها السلطات العثمانية منذ محاولات تطبيقها عام 1869 م (5)، وكذلك ما جرى من قبل سكان النجف وكربلاء عام 1877 م عندما حاولت السلطات أخذ الأفراد للخدمة العسكرية بغية إرسالهم إلى الحرب مع روسيا (6)، والمرة الثالثة والأخيرة التي تم فيها إرسال الجنود إلى الخارج كانت إبان قيام الحرب العالمية الأولى عندما أرسلت القوات العسكرية من بغداد إلى الجبهة الروسية في قفقاسيا (7).
كانت التقارير الاستخبارية البريطانية تشير بأنّ السكان العراقيين متذمرون من سياسات الحاكم العثمانيين، وأن الجيش العثماني المتواجد فيه في حالة ضعف كبير من حيث الاستعداد للدخول في حروب تقليدية مع جيوش الدول الأخرى، خاصةً بالنسبة للجيش البريطاني الذي كان يعد من أقوى جيوش دول العالم آنذاك، فالجيش العثماني لم يتم تهيئته أو تدريبه للقتال والقيام بالمناورات العسكرية التي تقوم بها الجيوش لمحاكاة الحرب وظروف القتال المختلفة، فضلًا عن نقص التجهيز والتموين والافتقار إلى الأسلحة الحديثة (8) ، ومن هنا تحرّك البريطانيون لإعداد الخطط العسكرية لاحتلال العراق مستفيدين من أوضاع العراق المضطربة، وضعف المؤسسة العسكرية العثمانية فيها.
...................................................
1- فیلیب ویلارد آیرلند العراق دراسة في تطوره السياسي، ص 24.
2- الوردي، علي، لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث، 3/161-162.
3- العزاوي عباس تاريخ العراق بين احتلالين، 8/ 180.
4- المصدر نفسه، ص 207.
5-جريدة الزوراء، العدد 12، 23
6- العمر، عبد الجبار، ذيل مطالع السعود أو تاريخ الشاوي، مجلة آفاق عربية، العدد السادس والسابع،
السنة السادسة، ص 77.
7- الوردي، علي لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث، 4 / 82.
8- شكري، محمود، ندیم حرب العراق 1914 - 1918، ص 13-14.