روى في «غاية المرام» أيضاً عن السيّد الأجلّ أبي القاسم عليّ بن موسى بن جعفر بن طاووس في «الطرائف الثلاث والثلاثين» في النصّ على أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام بالإمامة والخلافة والوصيّة. قال: الطرفة العاشرة في تصريح رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم عند الوفاة بخلافة عليّ عليه السلام على الصغار والكبار، وجميع أهل الأمصار بمحضر الأنصار، عن أبي الحسن موسى بن جعفر، عن أبيه عليهما السلام، قال: لمّا حضرت رسول الله الوفاة دعا الأنصار، وقال: يَا مَعَاشِرَ الأنْصَارِ! قد حان الفراق؛ وقد دُعيت، وأنا مجيب الداعي! وقد جاورتم فأحسنتم الجوار! ونصرتم فأحسنتم النصر! وواسيتم في الأموال، ووسعتم في المسكن! وبذلتم للّه مهج النفوس! والله مجزيكم بما فعلتم الجزاء الأوفى.
وبقيت واحدة، وهي تمام الأمن، وخاتمة العمل، العمل معها مقرون جميعاً.
إنّي أرى أن لا أفرّق بينهما جميعاً. لو قيس بينهما بشعرة ما انقاست.
من أتى بواحدة، وترك الاخرى، كان جاحداً للُاولى. ولا يقبل الله منه عملًا من الأعمال.
قال الأنصار: يا رسول الله! أبِنْ لنا نعرفها؛ ولا نمسك عنها فنضلّ، ونرتدّ عن الإسلام، والنعمة من الله ورسوله علينا؛ فقد أنقذناه الله بك من الهلكة! يا رسول الله! قد بلّغتَ! ونصحتَ! وأدّيتَ! وكنتَ بنا رؤوفاً رحيماً شفيقاً مشفقاً! فما هي يا رسول الله؟!
قَالَ لَهُمْ: كِتَابُ اللهِ وأهْلُ بَيْتِي! فَإنَّ الكِتَابَ هُوَ القُرْآنُ؛ فَفِيهِ الحُجَّةُ والنُّورُ والبُرْهَانُ؛ كَلَامُ اللهِ جَدِيدٌ غَضٌّ طَرِيّ وشَاهِدٌ وحَاكِمٌ عَادِلٌ قَائِدٌ بِحَلَالِهِ وحَرَامِهِ وأحْكامِهِ يَقُومُ بِهِ غَدَاً فَيُحَاجُّ بِهِ أقْوَامَاً فَتَزِلُّ أقْدَامُهُمْ عَنِ الصِّرَاطِ.
فَاحْفَظُوا مَعاشِرَ الأنْصَارِ في أهْلَ بَيْتِي فَإنَّ اللَّطِيفَ الخَبِيرَ قَالَ: إنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حتّى يَرِدَا عَلَيّ الحَوْضَ. ألَا وإنَّ الإسْلَام سَقْفٌ تَحْتَهُ دِعَامَةٌ؛ ولَا يَقُومُ المُسَقَّفُ إلَّا بِهَا فَلَوْ أنَّ أحَدَكُمْ أتَى بِذَلِكَ السَّقْفِ مَمْدُودَاً لَا دِعَامَةَ تَحْتَهُ، لأوْشَكَ أنْ يَخِرَّ عَلَيْهِ سَقْفُهُ لَهَوَى في النَّارِ.
أيُّهَا النَّاسُ! الدِّعَامَةُ دِعامَةُ الإسْلَام، وذلِكَ قَوْلُ اللهِ تعالى: «إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ والْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ». فَالعَمَلُ الصَّالِحُ طاعَةُ الإمَامِ وَلِيّ الأمْرِ والتَّمَسُّكُ بِحَبْلِ اللهِ!
ألَا فَهِمْتُمْ؟! اللهَ اللهَ في أهْلِ بَيْتِي! مَصَابِيحُ الظَّلَامِ، ومَعَادِنُ العِلْمِ، وَيَنَابِيعُ الحِكَمِ، ومُسْتَقَرُّ المَلَائِكَةِ؛ مِنْهُمْ وَصِيِّي، وأمِينِي، ووَارِثِي مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ موسى، ألَا هَلْ بَلَّغْتُ؟! وَاللهِ يَا مَعاشِرَ الأنْصَارِ! ألَا اسْمَعُوا! ألَا إنَّ بَابَ فَاطِمَةَ بَابِي؛ وبَيْتُهَا بَيْتِي! فَمَنْ هَتَكَهُ هَتَكَ حِجابَ اللهِ! يقول عيسى راوي هذا الحديث عن موسى بن جعفر عليهما السلام: فَبَكَى أبُو الحَسَنِ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ طَوِيلًا وقُطِعَ عَنْهُ بَقِيَّةُ الحَدِيثِ؛ وأكْثَرَ البُكَاءَ، وقَالَ: هُتِكَ حِجَابُ اللهِ؛ هُتِكَ واللهِ حِجَابُ اللهِ؛ هُتِكَ واللهِ حِجَابُ اللهِ؛ يَا امّةَ مُحَمَّدٍ صَلَوَاتُ اللهُ عَلَيهِ وآلِهِ[1].
بَيدَ أنّ الإمام الصادق عليه السلام بيّن كيفيّة هتك الحجاب، ولم يُقْطَع الحديث.
روى الطبريّ في «دلائل الإمامة» عن محمّد بن هارون بن موسى التلعكبريّ، عن أبيه، عن محمّد بن همّام، عن أحمد البرقيّ، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن عبد الرحمن بن أبي نجران، عن ابن سنان، عن ابن مُسكان، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله جعفر بن محمّد عليهما السلام، قال: قُبِضَتْ فَاطِمَةُ في جُمَادَى الآخِرَةِ يَوْمَ الثلَاثَاءِ لِثَلَاثٍ خَلَوْنَ مِنْهُ سَنَةَ إحْدَى عَشَرَ مِنَ الهِجْرَةِ؛ وكَانَ سَبَبُ وَفَاتِهَا أنَّ قُنْفُذَ مَوْلَى عُمَرَ نَكَزَها[2] بِنَعْلِ[3] السَّيْفِ بِأمْرِهِ؛ فَأسْقَطَتْ مُحْسِنَاً ومَرِضَتْ مِنْ ذَلِكَ مَرَضَاً شَدِيداً وَلَم يَدَعْ أحَداً ممَّنْ آذَاهَا يَدْخُلُ عَلَيْها الحديث[4].
وذكر سليم بن قيس أنّ عمر عند ما ضغط الباب على الجدار للمرّة الثانية نَادَتْ يَا أبَتَاهْ! هَكَذَا يَفْعَلُ بِحَبِيبَتِكَ! واسْتَعَانَتْ (بِفِضَّةَ) جَارِيَتِها، وقَالَتْ: لَقَدْ قُتِلَ مَا في بَطْنِي مِنْ حَمْلٍ[5].
وخرج أمير المؤمنين عليه السلام فألقى عليها مُلاءة[6] فأسقطت حملًا لستّة أشهر سمّاه رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم محسناً - الحديث[7].
ومن كان له اطّلاع على جوامع الحديث، ومعرفة بكتب السير والتواريخ، فإنّه لا يشكّ أنّ عمر قد حمل الحطب إلى باب فاطمة لإحراق بيتها، وكان عمله هذا منطلقاً إمّا من الجدّ أو من التهديد[8].
[1] «غاية المرام» ص 144 و 145، الحديث 58 عن الخاصّة.
[2] نكزها، أي ضَرَبَها و دَفَعَها و نَكَّصَها.
[3] نَعْل السَّيف ما يكون في أسفل غِمْده من حَديدٍ أو فضَّةٍ.
[4] «دلائل الإمامة» لأبي جعفر محمّد بن جرير بن رستم الطبريّ، أحد أعاظم علماء الإماميّة في القرن الرابع، ص 45، الطبعة الثانية، النجف الأشرف؛ و رواه المجلسيّ في «بحار الأنوار» ج 10، ص 49، طبعة الكمبانيّ، عن «دلائل الإمامة».
[5] «بحار الأنوار» ج 8، ص 231؛ و روى المجلسيّ هذا المطلب عن بعض الأفاضل في مكّة، عن الجزء الثاني من كتاب «دلائل الإمامة» ضمن رواية مفصّلة.
[6] «بحار الأنوار» ج 13، ص 205. و خروج أمير المؤمنين من داخل الدار محمّر العين حاسراً حتّى ألقى ملاءته عليها و ضمَّها إلى صدره. و الملاءة لباس يغطّي الفخذين. كما يطلق على قماش ذي شقّين متضامّين كالمعطف و الملحفة.
[7] جاء في «بحار الأنوار» ج 13، ص 205، طبعة الكمبانيّ، ما نصّه: ضرب عمر لها بالسوط على عضدها حتّى صار كالدملج الأسود، و رَكل الباب برجله حتّى أصاب بطنها و هي حاملة بالمحسن لستّة أشهر و أسقطها إيّاه. و رواه في باب ما يقع عند ظهور إمام الزمان برواية المفضّل بن عمر، عن بعض مؤلّفات أصحابنا، عن الحسين بن حمدان، عن محمّد بن إسماعيل، و عليّ بن عبد الله حسينين، عن أبي شعيب محمّد بن نصر، عن عمر بن فرات، عن محمّد بن مفضّل، عن المفضّل بن عمر، عن الإمام الصادق عليه السلام. و «تلخيص الشافي» ص 415، و عن طبعة النجف: ج 13، ص 156.
[8] ورد في «العقد الفريد» ج 2، ص 197، طبعة سنة 1321 ه: أنّ عمر جاء بقبس. و المراد من القبس كما جاء في «القاموس» شعلة نار مضرمة. و لم يشكّ الشريف المرتضى علم الهدى في قضيّة جلب عمر النار إلى باب بيت فاطمة سلام الله عليها كما ذكر ذلك في كتاب «الشافي» ص 240 و قال: رواها من علماء العامّة من هو غير متّهم عند أهل السنّة. كما ذكرها الشيخ الطوسيّ في «تلخيص الشافي» ج 3، ص 156. و نقلها السيّد ابن طاووس في «الطرائف» ص 64، و روى تلك القصّة عن جماعة. و ذكر ابن طاووس في كتاب «الطرف» أحاديث يوصي رسول الله صلّى الله عليه و آله أمير المؤمنين عليه السلام فيها بالصبر.