قال الله الحكيم في كتابه الكريم: وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وأَتْمَمْناها بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وقالَ مُوسى لِأَخِيهِ هارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وأَصْلِحْ ولا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ[1].
جاء في تفسير «مجمع البيان»: المراد من عدم اتّباع سبيل المفسدين هو أن لا تسلك طريقة العاصين! ولا تكن عوناً للظالمين! وإنّما أراد بذلك إصلاح قومه؛ وإن كان المخاطب به أخاه[2].
ولكن قال العلّامة الطباطبائيّ في تفسير «الميزان»: وهارون نبيّ مرسل معصوم لا تصدر عنه المعصية، ولا يتأتّى منه اتّباع أهل الفساد في دينهم، وموسى أعلم بحال أخيه؛ فليس مراده نهيه عن الكفر والمعصية؛ بل أن لا يتّبع في إدارة امور قومه ما يشير إليه ويستصوبه المفسدون من القوم أيّام خلافته ما دام موسى غائباً.
والدليل على هذا المعنى قوله: وأصْلِحْ فإنّه يدلّ على أنّ المراد بقوله: ولَا تَتَّبِعْ سَبيلَ الْمُفْسِديِنَ أن يصلح أمرهم ولا يسير فيهم سيرة هي سبيل المفسدين التي يستحسنونها ويشيرون إليه بذلك.
ومن هنا يتأيّد أنّه كان في قوم موسى يومئذٍ جمع من المفسدين يفسدون ويقلبون عليه الامور ويتربّصون به الدوائر؛ فنهى موسى أخاه أن يتّبع سبيلهم فيشوّشوا عليه الأمر ويكيدوا ويمكروا به، فيتفرّق جمع بني إسرائيل ويتشتّت شملهم بعد تلك المحن والمشاكل التي كابدها في إحياء كلمة الاتّحاد بينهم[3].
ثمّ قال صاحب «مجمع البيان» فيه: وإنّما أمر موسى عليه السلام أخاه هارون بأن يخلفه وينوب عنه في قومه مع أنّ هارون كان نبيّاً مرسلًا، لأنّ الرئاسة كانت لموسى عليه وعلى امّته. ولم يكن يجوز أن يقول هارون لموسى مثل ذلك. وفي هذا دلالة على أنّ منزلة الإمامة منفصلة عن النبوّة وغير داخلة فيها.
وإنّما اجتمع الأمران لأنبياء مخصوصين، لأنّ هارون لو كان له القيام بأمر الامّة من حيث كان نبيّاً، لما احتاج فيه إلى استخلاف موسى إيّاه وإقامته مقامه.
ونحن نجد عين هذا الاستخلاف وتنصيب أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام خليفة من قبل رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم في حديث المنزلة، لأنّ قول النبيّ الأعظم: أنْتَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ موسى إلَّا أنَّهُ لَا نَبِيّ بَعْدِي الذي قاله في مقامات ومواطن عديدة يدلّ على أنّ مرتبة أمير المؤمنين ومقامه ومنزلته من رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم هي نفس ما كان لهارون من موسى. وتدلّ هذه المنزلة بنحو مطلق وعامّ على أنّ جميع المناصب والمقامات التي كانت لهارون هي لأمير المؤمنين أيضاً، كالوصاية، والوزارة، والخلافة، والمشاركة في أمر التبليغ، والاضطلاع بحمل المهمّة الخطيرة، ومسؤوليّة حفظ الدين والامّة وحراستهما.
إن المنصب الوحيد الذي استثني من مناصب هارون هو منصب النبوّة إذ ليس لأمير المؤمنين عليه السلام هذا المنصب، ولو لم تختم النبوّة بمحمّد بن عبد الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، لاستحقّها أمير المؤمنين بعده. ولكن لمّا كان صلّى الله عليه وآله خاتم النبيّين، فلهذا لم يكن لعليّ بن أبي طالب منصب النبوّة.
لقد استقصيت حديث المنزلة: أنْتَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ موسى إلَّا أنَّهُ لَا نَبِيّ بَعْدِي فوجدت أنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم قاله في أربعة عشر موطناً لم يرتبط أحدهما بالآخر على ما يبدو. وأراد النبيّ في هذه المواطن العديدة أن يبيّن لجميع الامّة ولاية عليّ بن أبي طالب عليه السلام الكلّيّة ومنصبه في الخلافة والإمامة بعده، كما أراد أن يبيّن مقامه الوزاريّ في جميع الامور، وهو لا يزال على قيد الحياة.
أمّا المقام الذي قال فيه النبيّ هذا الحديث، فقد كان عند ما عزم صلّى الله عليه وآله وسلّم على التحرّك إلى غزوة تبوك، واستخلف أمير المؤمنين على المدينة ليقوم بشؤون أهلها طول غيبته.
وروى هذا الحديث مختلف الأشخاص من صحابة رسول الله، منهم سعد بن أبي وَقَّاص الذي قال له معاوية: لم لا تسبّ عليّ بن أبي طالب؟ فأجاب قائلًا: سمعت من رسول الله أشياء في عليّ بن أبي طالب، فلن أسبّه.
وروى علماء الشيعة والعامّة في كتب التواريخ والسير هذا الحديث عن سعد بأسناد مختلفة ومضامين متنوّعة؛ ولا نجد كتاباً في أحوال عليّ بن أبي طالب أو في ترجمة سعد إلّا وتحدّث فيه صاحبه عن لقاء معاوية سعداً، وروى فيه حديث المنزلة بشأن أمير المؤمنين.
[1] الآية 142، من السورة 7: الأعراف.
[2] تفسير «الميزان» ج 8، ص 247 و 248.
[3] تفسير «الميزان» ج 8، ص 247 و 248.