كان يحثّ الناس ويرغّبهم في جهاد الكفّار، ويأمر بجمع الصدقات والتبرّعات. حتّى جلب الناس أموالهم، وتهيّأ جيش مجهّز، حتّى اعدّت الخيوط أو السيور التي تشدّ بها فم القربة، أو التي تعلّق بها القِرَب. وأتت النساء بحليّها وجواهرها.
تقول امُّ سِنَانٍ الأسْلَمِيَّة: لقد رأيت ثوباً مبسوطاً بين يدي رسول الله فيه أسورة، ومعاضد، وخلاخل، وخواتيم، وأقرطة ممّا يبعث به النساء إليه لتجهيز المسلمين.
وكان ذلك في زمان طابت فيه الثمار، واحبّت الظلال، والناس حينئذٍ يحبّون المقام في المدينة ويكرهون الشخوص عنها.
وأخذ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم يحثّ الناس على الإسراع. وضرب عسكره بِثَنِيَّةِ الوَدِاع[1]. والناس كثير لا يجمعهم كتاب ولا يأتي عليهم إحصاء[2].
وفي هذه الحال تباطأ بعض الناس في التحرّك، وأصابهم فتور، وفتنهم مناخ المدينة، والجلوس تحت الظلل، والفواكه التي كانت على وشك النضوج. فنزلت هذه الآية: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الْآخِرَةِ فَما مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ ، إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً ويَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ولا تَضُرُّوهُ شَيْئاً واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ[3].
«أيّها المؤمنون ما لكم إذا قيل لكم اذهبوا في سبيل الله (لجهاد الروم) تثاقلتم. فهل رضيتم بهذه الحياة التافهة بدلًا من الحياة الآخرة؟ وليس الاستمتاع في هذه الحياة إلّا ضئيل في مقابل الحياة الآخرة (وهي الحياة العالية الخالدة الثمينة). وإن لم تتحرّكوا، يعذّبكم الله عذاباً أليماً ويستبدل قوماً غيركم (لنصرة دينه وإجابة دعوة نبيّه). ولن تضرّوا الله شيئاً بعدم نصركم للنبيّ. وهو على كلّ شيء قدير».
أيّها المسلمون لا تنصتوا لكلام المنافقين! ولا تقبلوا قولهم المثبِّط عن القتال! ولا تنخدعوا بألسنتهم الحداد ومنطقهم الماكر! ولا تسمعوا هذيانهم وأراجيفهم إذ يقولون: ها هي الفواكه قد نضجت وستتلف؛ والجوّ حارّ؛ وليس من الصحيح التحرّك نحو الروم لطول المسافة؛ ولا علم لمحمّد بأهمّيّة القتال، كما أنّه لا يدري أنّ قتال الروم ليس كقتال القبائل العربيّة. لا تسمعوا هذه الأباطيل واعلموا: إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها وجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى وكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيا واللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ[4].
«إن لم تنصروه، فقد نصره الله حقّاً عند ما أخرجه الكافرون (من مكّة) وهو أحد اثنين إذ يقول لصاحبه: لا تحزن إنّ الله معنا! فأنزل الله سكينته على نبيّه، وأيّده بجنود لم تروها، وجعل كلمة الكافرين السفلى (إذ لم يقدروا أن يقبضوا عليه ويقتلوه). وكلمة الله هي العليا فحسب (إذ حفظ الله نبيّه وأوصله إلى المدينة بسلام) وللّه العزّة والتفرّد في الامور، وله مقام الإحكام (لا يغلبه شيء ولا يعتري إحكامه الفتور).
انْفِرُوا خِفافاً وثِقالًا وجاهِدُوا بِأَمْوالِكُمْ وأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ[5].
قال الشيخ الطبرسيّ: قال الحسن، ومجاهد، وعِكْرِمَة، والضحّاك وغيرهم: المراد من خفافاً وثقالًا شبّاناً وشيوخاً. وقال ابن عبّاس، وقتادة: نشّاطاً وغير نشّاط. وقال الحكم: مشاغيل وغير مشاغيل. وقال أبو صالح: أغنياء وفقراء. وقال الفرّاء: أراد بالخفاف أهل العسرة من المال وقلّة العيال. وبالثقال: أهل الميسرة في المال وكثرة العيال. وقال أبو عمرو، وعطيّة العوفيّ: ركباناً ومشاة. وقال ابن زيد: ذا صنعة وغير ذي صنعة. وقال يمان: عزّاباً ومتأهّلين.
ثمّ قال: والوجه أن يحمل على الجميع فيقال: معناه: اخرجوا إلى الجهاد خفّ عليكم أو شقّ! على أيّة حالة كنتم لأنّ أحوال الإنسان لا تخلو من أحد هذه الأشياء[6].
وقال العلّامة الطباطبائيّ: الخفاف والثقال جمعا خفيف وثقيل. والثقل بقرينة المقام كناية عن وجود الموانع الشاغلة الصارفة للإنسان عن الخروج إلى الجهاد نظير كثرة المشاغل الماليّة وحبّ الأهل والولد والأقرباء والأصدقاء الذي يوجب كراهة مفارقتهم، وفقد الزاد والراحلة والسلاح ونحو ذلك؛ والخفّة كناية عن خلاف ذلك.
فالأمر بالنفر خفافاً وثقالًا وهما حالان متقابلان في معنى الأمر بالخروج على أي حال، وعدم اتّخاذ شيء من ذلك عذراً يعتذر به لترك الخروج؛ كما أنّ الجمع بين الأموال والأنفس في معنى الأمر بالجهاد بأيّ وسيلة أمكنت.
وقد ظهر بذلك أنّ الأمر في الآية مطلق لا يأبى التقييد بالأعذار التي يسقط معها وجوب الجهاد كالمرض، والعمى، والعرج، ونحو ذلك. فإنّ المراد بالخفّة والثقل أمر وراء ذلك[7].
[1] قال في «معجم البلدان»: ثَنِيَّةُ الوَدَاع ثنيّة مشرفة على المدينة يطؤها من يريد مكّة. و قيل سمّيت بذلك لأنّها موضع وداع المسافرين من المدينة إلى مكّة.
[2] «المغازي» للواقديّ المتوفي سنة 207 ه، ج 3، ص 989 إلى 992؛ و «حبيب السِّير» ج 1، ص 398.
[3] الآيتان 38 و 39، من السورة 9: التوبة.
[4] الآية 40، من السورة 9: التوبة.
[5] الآية 41، من السورة 9: التوبة.
[6] تفسير «مجمع البيان» ج 3، ص 32 و 33، طبعة صيدا.
[7] تفسير «الميزان» ج 9، ص 296 و 297.