قال الواقديّ: قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم لِجَدّ بن قيس (الذي كان أحد رؤوس النفاق): أبا وهب! هل لك العامَ تخرج معنا لعلّك تحتقب من بنات الأصفر[1].
فقال الجَدُّ بْنُ قَيْس: أو تأذن لي ولا تفتنّي! فو الله، لقد عرف قومي ما أحد أشدّ عجباً بالنساء منّي؛ وإنّي لأخشى إن رأيت نساء بني الأصفر لا أصبر عنهنّ! فأعرض عنه رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم وقال: قد أذنت لك.
فجاءه ابنه عبد الله بن الجدّ، وكان بدريّاً، وهو أخو مُعَاذ بن جَبَل لُامّه، فقال لأبيه: لِمَ تردّ على رسول الله مقالته؟! فو الله ما في بَنِي سَلِمَة أكثر مالًا منك! ولا تخرج (مع رسول الله)؛ ولا تحمل أحداً (أي ولا تدفع حصانك وبعيرك إلى آخر فيخرج مع رسول الله)؟!
قال (الجدّ): يا بُنيّ! ما لي وللخروج في الريح، والحرّ، والعسرة إلى بني الأصفر؟ والله! ما آمن خوفاً من بني الأصفر؛ وإنّي في منزلي بخُرْبَي! فأذهب إليهم فأغزوهم! إنّي والله يا بنيّ عالم بالدوائر!
فأغلظ له ابنه، فقال: لا والله، ولكنّه النفاق! والله لينزلنّ على رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم فيك قرآن يقرأونه[2]. قال: فرفع نعله فضرب بها وجهه.
فانصرف ابنه ولم يكلّمه. وجعل الخبيث يثبّط قومه، وقال لجَبَّارِ بْنِ صَخْرٍ ونفر معه من بَنِي سَلِمَة: يا بني سلمة! لا تنفروا في الحرّ! يقول: لا تخرجوا في الحرّ زهادة في الجهاد، وشكّاً في الحقّ، وإرجافاً برسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، فأنزل الله عزّ وجلّ فيه: فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ وكَرِهُوا أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وقالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ ، فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا ولْيَبْكُوا كَثِيراً جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ[3].
وفي الجدّ بن قيس نزلت هذه الآية أيضاً: وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي ولا تَفْتِنِّي أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ[4].
ذلك أنّ الكذب أوّلًا، والشكّ في الإيمان ثانياً، وقبول دعوة النبيّ للجهاد القريب واليسير الذي فيه غنيمة، وردّ الجهاد البعيد والعسير، كلّ اولئك أكبر فتنة سقط فيها.
وكان هذا الرجل يزعم أنّ نساء الروم تفتنه بجمالها، وتسقطه. إنّه كان يكذب، وكان يتظاهر أنّه يتخلّص من الحرب، ويحفظ نفسه التي كان يحبّها أكثر من نفس رسول الله. وهذا اللون من التفكير أكبر فتنة ارتكس فيها.
ولمّا نزلت هذه الآية، جاء عبد الله إلى أبيه، فقال: أ لم أقل لك إنّه سوف ينزل فيك قرآن يقرأه المسلمون؟! فقال الجدّ لابنه: اسْكُت عَنِّي يَا لُكَعُ واللهِ لَا أنْفَعُكَ بِنَافِعَةٍ أبَدَاً، واللهِ لأنْتَ أشَدُّ عَلَيّ مِنْ مُحَمَّدٍ[5].
روى ابن هشام بسنده عن عبد الله بن حارثة، عن أبيه، عن جدّه، قال: بلغ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم أنّ ناساً من المنافقين يجتمعون في بيت سُوَيْلِم اليهوديّ وكان بيته عند جاسومَ يُثَبِّطون الناس في غزوة تبوك. فبعث إليهم النبيّ صلّى الله عليه وسلّم طلحة بن عُبيد الله في نفر من أصحابه وأمره أن يخرِّق عليهم بيت سُويلم.
ففعل طلحة فاقتَحم الضحّاك بنُ خليفة من ظهر البيت (و هو أحد المنافقين)، فانكسرت رجله واقتحم أصحابه فأفلتوا[6].
[1] جاء في «المغازي» للواقدي: تحتقب يعني: تركبها وراءك. و ورد في «تفسير عليّ بن إبراهيم» ص 267: تحتفد أي: تخدمها. و هكذا نقلها في «الميزان» عن التفسير المذكور. و لكنّ المجلسيّ قال في «بحار الأنوار» ج 6، ص 626: تحتفد: تجعلهنّ حفدة لك أي: أعواناً و خدماً. و في بعض النسخ: تستحفد. و لعلّه أصوب.
[2] وردت هذه القصّة حتّى الكلمة المشار إليها في تفسير «الميزان» ج 9، ص 313 و 314 عن «تفسير القمّيّ»؛ و كتاب «حياة محمّد» ص 426 و 427.
[3] الآيتان 81 و 82، من السورة 9: التوبة.
[4] الآية 49، من السورة 9: التوبة.
[5] «المغازي» للواقديّ، ج 3، ص 989 إلى 993؛ و ذكر ابن هشام مختصره في سيرته، ج 4، ص 943 و 944؛ و تفسير «نور الثَّقَلَين» ج 2، ص 223؛ و «السيرة الحلبيّة» ج 3، ص 150.
[6] «سيرة ابن هشام» ج 4، ص 944؛ و «السيرة الحلبيّة» ج 3، ص 150؛ و كتاب «حياة محمّد» ص 427.