نزلت هذه الآية في المنافقين الذين استأذنوا رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم في عدم الخروج: عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وتَعْلَمَ الْكاذِبِينَ.
نرى هنا أنّ الله يؤاخذ نبيّه الأكرم. وعلينا أن نفهم معنى المؤاخذة هنا. هل كانت على سبيل الجدّ والحقيقة أو على سبيل مخاطبة الآخرين. وقد ورد نظيره في كثير من الأشباه والأمثال.
جاء في تفسير «نور الثَّقَلين» عن «عيون أخبار الرضا عليه السلام» أنّ الشيخ الصدوق روى بإسناده عن عليّ بن محمّد بن الجَهم، قال: حضرت مجلس المامون وعنده الرضا عليّ بن موسى عليه السلام. فقال له المأمون: يا ابن رسول الله! أ ليس من قولك: إنّ الأنبياء معصومون؟ قال: بلى.
فقال له المأمون -فيما سأله- فأخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ.
قال الرضا عليه السلام: هذا ممّا نزل (على سبيل): إيَّاكِ أعْنِي واسْمَعِي يَا جَارَه[1]. خاطب الله تعالى بذلك نبيّه، وأراد به امّته. وكذلك
قوله عزّ وجلّ: لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ ولَتَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ[2]؛ وقوله تعالى: ولَوْ لا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلًا[3].
قال المامون: صَدَقْتَ يَا ابْنَ رَسُولِ الله[4].
ونحن لا نرى شرحاً وتوضيحاً لجواب الإمام الرضا عليه السلام أفضل ممّا قاله استاذنا العلّامة الفقيد في تفسير «الميزان». قال: الجملة الاولى (عَفَا اللَّهُ عَنْكَ) دعاء للنبيّ بالعفو نظير الدعاء على الإنسان بالقتل في قوله: قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ[5]. وقوله: فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ[6] (المقصود الوليد بن المغيرة). وقوله: قاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ[7]. (قاتل الله اليهود الذين قالوا: عزير بن الله. وقاتل النصارى الذين قالوا: المسيح بن الله).
وجملة العفو متعلّقة بقوله: لِمَ أَذِنْتَ، أي: في التخلّف والقعود؟! ولمّا كان الاستفهام للإنكار أو التوبيخ، كان معناه:
كان ينبغي أن لا تأذن لهم في التخلّف والقعود. ويستقيم به تعلّق الغاية التي يشتمل عليها قوله: حتّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وتَعْلَمَ الْكاذِبِينَ بقوله: لِمَ أَذِنْتَ، فالتعلّق إنّما هو بالمستفهم عنه دون الاستفهام. والكلام مسوق لبيان ظهور كذبهم. وأنّ أدنى الامتحان كالكفّ عن إذنهم في القعود يكشف عن فضاحتهم.
ومعنى الآية: عفا الله عنك لم أذنت لهم في التخلّف والقعود؟! ولو شئت لم تأذن لهم -و كانوا أحقّ به- حتّى يتبيّن لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين! فيتميّز عندك كذبهم ونفاقهم.
وعلى هذا فالآية في مقام دعوى ظهور كذبهم ونفاقهم، وأنّهم مفتضحون بأدنى امتحان يمتحنون به. ومن مناسبات هذا المقام إلقاء العتاب إلى المخاطب، وتوبيخه، والإنكار عليه. كأنّه هو الذي ستر عليهم فضائح أعمالهم وسوء سريرتهم.
وهو نوع من العناية الكلاميّة يتبيّن به ظهور الأمر ووضوحه وبيانه أزيد من ذلك. فهو من أقسام البيان على طريق: إيَّاكِ أعْني واسْمَعِي يَا جَارَه، فالمراد بالكلام إظهار هذه الدعوى: وهي وضوح قبح عملهم وسريرتهم، لا الكشف عن تقصير الرسول الأكرم صلّى الله عليه وآله وسلّم وسوء تدبيره في إحياء أمر الله، وارتكابه بذلك ذنباً -حاشاه- وأولويّة عدم الإذن لهم معناها كون عدم الإذن أنسب لظهور فضيحتهم وأنّهم أحقّ بذلك لما بهم من سوء السريرة، وفساد النيّة؛ لا لانّه كان أولى وأحرى في نفسه وأقرب وأمسّ بمصلحة الدين.
والدليل على هذا الذي ذكرنا قوله تعالى بعد ثلاث آيات: لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ ما زادُوكُمْ إِلَّا خَبالًا ولَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ واللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ ، لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ حَتَّى جاءَ الْحَقُّ وظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وهُمْ كارِهُونَ[8].
«لو خرج المنافقون معكم أيّها المؤمنون إلى غزوة تبوك، فلا يزيدونكم إلّا خيانة وفساداً واضطراباً، ويخلّون في عملكم بسرعة، ويخطّطون للفتنة وإثارة الاضطرابات. وفيكم سمّاعون لهم أو بين جنودكم جواسيس منهم والله عليم بالظالمين. وكان هؤلاء يدبّرون من قبل لإشاعة الفتن والقضاء على الإسلام (في غزوتي احد والخندق). (و يا رسولنا) إنّهم كانوا يقلّبون لك الامور حتّى انتصر الحقّ، وظهر أمر الله وهم كارهون»[9].
ولمّا لم يصدر من المنافقين على فرض خروجهم إلّا الضرر، فقد كان الأصلح أن يؤذن لهم في التخلّف ليصان الجمع من الخبال وفساد الرأي وتفرّق الكلمة؛ والمتعيّن أن يقعدوا فلا يفتنوا المؤمنين بإلقاء الخلاف بينهم والتفتين فيهم. وفيهم ضعفاء الإيمان ومرضى القلوب وهم سمّاعون لهم يسرعون إلى المطاوعة لهم. ولو لم يؤذن لهم فأظهروا الخلاف، كانت الفتنة أشدّ والتفرّق في كلمة الجماعة أوضح وأبين.
ويؤيّد ذلك قوله تعالى بعد آيتين: وَلَوْ أَرادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً ولكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقاعِدِينَ[10].
ولذلك كان تخلّفهم ونفاقهم ظاهراً لائحاً من عدم إعدادهم العدّة؛ يتوسّمه في وجوههم كلُّ ذي لبّ؛ فكيف يخفي مثل ذلك على رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم؟ وقد نبّأه الله بأخبارهم قَبل نزول هذه السورة (سورة براءة) كراراً. فكيف يصحّ أن يعاتب هاهنا عتاباً جدّيّاً بأنّه لِمَ لم يكف عن الإذن ولم يستعلم حالهم حتّى يتبيّن له نفاقهم ويميّز المنافقين من المؤمنين؟! فليس المراد بالعتاب إلّا ما ذكرناه.
وممّا تقدّم يظهر فساد قول من قال: إنّ الآية تدلّ على صدور الذنب عنه، لأنّ العفو لا يتحقّق من غير ذنب، وأنّ الإذن كان قبيحاً منه، ومن صغائر الذنوب؛ لأنّه لا يقال في المباح: لم فعلتَه؟ لأنّا قد بيّنا مفصّلًا أنّ الآية مسوقة لغرض غير غرض الجدّ في عتاب رسول الله.
[1] معنى هذه الجملة هو: «أنّني الذي أنشد هذه الأشعار، و أهوى تلك المحبوبة أعنيكِ أيّتها الفتاة الجالسة في الخيمة». و نقول في اللغة الفارسيّة مثله: «به در مىگويم، ديوار تو بشنو» و ترجمته الحرفيّة: «أنا أتحدّث إلى الباب و اسمع أيّها الجدار». و جاء هذا المثل في كتاب «مجمع الأمثال» للميدانيّ ج 1، ص 49 و 50 من طبعة بيروت. و قال هناك: أوّل من قال: إيَّاكِ أعْنِي وَ اسْمَعِي يَا جَارَهْ سهل بن مالك الفزاريّ، و ذلك أنّه خرج يريد النعمان، فمرّ ببعض أحياء طيء، فسأل عن سيّد الحيّ، فقيل له: حارثة بن لام، فأمّ رحله فلم يصبه شاهداً؛ فقالت له اخته: انزل في الرحب و السعة! فنزل، فأكرمته و لا طفته؛ ثمّ خرجت من خبائها، فرأى أجمل أهل دهرها و أكملهم. و كانت عقيلة قومها، و سيّدة نسائها. فوقع في نفسه منها شيء، فجعل لا يدري كيف يرسل إليها، و لا ما يوافقها من ذلك. فجلس بفناء الخباء يوماً، و هي تسمع كلامه، فجعل ينشد و يقول:
يا اخت خَير البَدْو و الحضاره *** كيف ترين في فتى فزاره؟
أصبح يَهْوى حُرَّةَ معطاره *** إيَّاكِ أعنِي و اسمعي يَا جَاره
فلمّا سمعت قوله عرفت أنّه إيّاها يعني فقالت: ما يقول هذا ذو عقل أريب، و لا رأي مصيب، و لا أنف نجيب، فأقم ما قمت مكرّماً، ثمّ ارتحل متى شئت مسلماً. و يقال: أجابته نظماً فقالت:
إنّي أقول يا فتى فزاره *** لا أبتغي الزوج و لا الدعاره
و لا فراق أهل هذي الجاره *** فارحل إلى أهلك باستخاره
فاستحى الفتى و قال: ما أردتُ منكراً، وا سوأتاه! قالت: صدقت. فكأنّها استحيت من تسرّعها إلى تهمته، فارتحل، فأتى النعمان فحيّاه و أكرمه. فلمّا رجع، نزل على أخيها. فبينا هو مقيم عندهم، تطلّعت إليه نفسها، و كان جميلًا. فأرسلت إليه أن اخطبني إن كان لك إليّ حاجة يوماً من الدهر، فإنّي سريعة إلى ما تريد. فخطبها، و تزوّجها، و سار بها إلى قومه. يضرب هذا المثل لمن يتكلّم بكلام، و يريد به شيئاً غيره.
[2] الآية 65 من السورة 39: الزمر.
[3] الآية 74، من السورة 17: الإسراء.
[4] تفسير «نور الثَّقَلين» ج 2، ص 223 و 224؛ و في «الميزان» ج 9، ص 314 نقلًا عن «العيون».
[5] الآية 17، من السورة 80: عبس.
[6] الآية 19، من السورة 74: المدَّثِّر.
[7] الآية 30، من السورة 9: التوبة.
[8] الآيتان 47 و 48، من السورة 9: التوبة.
[9] قال الاستاذ العلّامة الطباطبائيّ رضوان الله عليه في تفسير الآية الأخيرة: أي: اقسم لقد طلبوا المحنة و اختلاف الكلمة و تفرّق الجماعة من قبل هذه الغزوة- و هي غزوة تبوك- كما في غزوة احد حين رجع عبد الله بن أبي بثلث القوم و خذل النبيّ صلّى الله عليه و آله. و قلّبوا لَكَ الامور بدعوة الناس إلى الخلاف و تحريضهم على المعصية و خذلانهم عن الجهاد، و بعث اليهود و المشركين على قتال المؤمنين و التجسّس و غير ذلك حتّى جاء الحقّ- و هو الحقّ الذي يجب أن يُتّبع- و ظَهَرَ أمرُ الله و هم كارهون. (تفسير «الميزان» ج 9، ص 304).
[10] الآية 46، من السورة 9: التوبة.