تركت المخططات والمشاريع البريطانية الزراعية آثارا اجتماعيةً كثيرةً على طبقة الفلاحين العراقيين، فمن المعروف أنّ الطبقة الفلاحية تعد من أكبر الطبقات الاجتماعية في العراق آنذاك، فكان من الطبيعي أن يقع على عاتق أبنائها كلّ ثقل الاستغلال الإقطاعي المباشر ، وكذلك الجانب الأكبر من النضال التحرّري ضد الاستعمار والإقطاع على حد سواء (1) ، ومما زاد في الطين بلة هو ظهور تناقض كبير بين المصلحة الاستعماريّة التي كانت ترغب في الإبقاء على النظام الاقطاعي والاقطاعيين خدمة لمصالحهم، وبين مصلحة الشعب العراقي الذي يدرك تماما أن بقاء النظام الاقطاعي هو العقبة الكبيرة في طريق زيادة وتطوّر الإنتاج الزراعي ورفع مستوى معيشة الشعب العراقي، وهذا التناقض أسهم إلى حد كبير في عرقلة مسيرة العراق الاقتصادية(2) .
ومما تجدر الإشارة إليه أنّ التقارير البريطانية الصادرة أواخر عام 1918م، قد غضت الطرف عن هذا الأمر، وذكرت أنّ القطاع الزراعي بات يعاني من مشكلات طبيعية عديدةٍ من بينها قلّة المياه في بعض المناطق مثل قضاء الهندية، وعلى امتداد الحلة فرع من نهر دجلة وأصبحت إنتاجية المحاصيل الزراعية الناضجة ضئيلة جدا، وفي الوقت ذاته غمرت المياه مدينة كربلاء والأراضي المحيطة بها (3). وتسببت الفيضانات التي تأتي أواخر المواسم في غمر المحاصيل
الزراعية الناضجة، وتعفّن جذور المحاصيل نتيجة تراكم الطمى وتآكل التربة؛ تما سبّب فقدان الفلاحين للعوائد المادية، ومما زاد من سوء حالهم الضرائب الزراعية المفروضة عليهم؛ إذ لم تلتفت بريطانيا إلى أوضاعهم المعيشية الصعبة، وكانت تفكر فقط في الإفادة قدر الإمكان من واردات الضرائب الزراعية حينذاك، والذي ساعدهم على ذلك هو ولاء بعض رجال العشائر لهم وعدم معارضة سياستهم؛ وبذلك انتفع هؤلاء في مدة من الحكم الذاتي الإعفاء من دفع الضرائب؛ وبذلك ضمنت بريطانيا عدم معاداة العشائر لها من خلال سياستها الانتفاعيّة معها، وهذا ما أكّدت عليه المس بيل (4) قائلة: «كان الاستثمار الزراعي أقوى سلاح في أيدينا لتهدئة القبائل(5)».
ولذلك لم تلغي الإدارة البريطانية الإقطاع في العراق، وإنّما عملت على استمراره، وظهرت الفوارق الاقتصادية بين طبقة الملاك الإقطاعيين والفلاحين العاملين في أراضيهم بأجور متدنية، ونتيجة لزيادة حاجات الفلاحين الغذائية والمالية، وقلة المحصول لاستيلاء السلطات البريطانية عليه اضطرّ الفلاحون إلى الاقتراض من الملاك والتجار، وهذا الأمر ترتب عليه زيادة الديون بذمة الفلاحين للملاك الذين تجردوا من أي إنسانيّة، وفي سبيل الاستحصال على أموالهم كانوا يقومون بضرب الفلاحين أمام عوائلهم، وهذا الأمر بطبيعة الحال سبب لهم الأذى النفسي والجسدي ولذلك بدأت هجرة الفلاحين من الريف إلى المدينة أواخر عام 1919م، وتأسيسا على ما سبق ذكره يمكن أن نعزو أسباب هذه الهجرة إلى ما يأتي:
1. حالة الفوضى في الملكيّات الزراعية للأراضي العراقية، فقد عدّت الإدارة البريطانية هذه الأراضي ملكا لها، وشجّعت على ظهور الملكيات الكبيرة وإدارتها من قبل شيوخ العشائر وسيادة الإقطاع، وأجرت نوعًا من المسح الزراعي في كلِّ من ولايات البصرة والحلّة وبغداد والموصل، وكان الهدف من هم هذا المسح ليس خلق حقوق ملكية جديدة للأراضي الزراعية؛ وإنّما استقصاء وتثبيت الملكيّات الموجودة، وكانت هذه العملية تستغرق سنين عديدة إلّا أنّ الوضع السياسي في العراق لم يكن يسمح لوقت طويل، ونتيجة لذلك حرم بعض المالكين من أراضيهم؛ لعدم امتلاكهم السند الأصلي لملكيتهم بعد احتراق دائرة الطابو العثمانية عام 1916م، وكلّ ذلك أثر على الملكيّات الصغيرة، وعلى المستوى المعاشي للفلاحين(6) .
2. قلة إيرادات الأراضي الزراعية، وتردّي أوضاع الفلاحين العراقيين وخاصة بعد أن جُردوا من أراضيهم، ووجدوا في المدن الملاذ الآمن لهم، خاصة بعد أن اطلعوا على الأحوال المعيشية للساكنين في المدن؛ إذ كانوا يتمتعون بنوع
من الاستقرار الاقتصادي، فكان العامل في القطاعات الصناعية العراقية المختلفة
أفضل حالا منهم (7).
....................................................
1. كمال مظهر أحمد، صفحات من تاريخ العراق المعاصر، دراسة تحليلية، ص 19.
2. الحميري، عبد الرضا، المصدر السابق، ص 255.
3. الحسني، عبد الرزاق، العراق قديما وحديثا، الرافدين، ص68.
4. ولدت في مقاطعة يوركشاير عام 1868م، وتلقت تعليمها الأولي على يد المربية الألمانية كلوغ التي كانت تعطيها الدروس في داخل المنزل، وأكملت المس بيل دراستها الجامعية في كلية الملكة في لندن، ثم التحقت بإحدى المدارس العليا في جامعة أكسفورد كلية السيدة مرفيت، وبعد أن أتمت دراستها الجامعية بدأت مرحلة أخرى من حياتها، وهي الرحلات بين الدول وفي عام 1915م، عُينت موظفة في إدارة المخابرات البريطانية السرية في مصر، وبعد عام واحد التحقت بالحملة البريطانية الأولى على العراق، وعُينت لأول مرة في المكتب العربي فرع البصرة عام 1916م، ثم تولّت مهام معاون الحاكم السياسي برسي كوكس، وبعد أن احتل الجيش البريطاني بغداد في عام 1917 م ، عُيّنت بمنصب السكرتيرة الشرقية للمندوب السامي البريطاني. للمزيد من التفاصيل يُنظر: علي صدام، صحن المس بيل ونشاطها الاجتماعي في بغداد 1917 - 1926م، مجلة المستنصرية للدراسات العربية والدولية، العدد 42، ص 213-216.
5. المس بيل، المصدر السابق، ص 248.
6. غيلان سمير طه، الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في العراق (1933-1945)، مجلة كلية الآداب/ جامعة تكريت المجلد 20، العدد 11، 2011، ص 687.
7. المصدر نفسه، ص 688.