إن دراسة موضوع الآثار يتطلب بالبدء استيضاح مفهومها بهدف وضع إطار حول المعنى، ومن ثم تحديد مسار البحث، وهذا ما يقودنا إلى التطرّق لتعريف الآثار لغة واصطلاحًا، وخصائصها وتمييزها عن معنى التراث وعلى النحو الآتي:
الفرع الأول: المدلول اللغوي للآثار
الآثار في اللغة جمع لكلمة (أثر)، ويتمحور مدلولها حول أربعة معانٍ، فهي تعني تتبع الشيء، أي السير خلفه، أو ترك علامة يعرف بها، وأتت كلمة الآثار أيضًا بمعنى المكرمة أو الأثرة، أي بمعنى الشيء المؤثر أو المفضّل، أي الشيء الذي يذكر، وكما دلّت هذه المفردة على معنى هو في حقيقته الأكثر قربا وتناغما مع ما تتجه له الآراء والاتجاهات الفقهية والقانونية، فجاء في مدلولها: هو ما بقي من الشيء، أو رسمه، أو ما تركه الأقدمون (1).
الفرع الثاني: المدلول الاصطلاحي للآثار
سنبيّن هذا المدلول من جانبين الجانب الفقهي، والجانب القانوني، بحس
النقاط الآتية:
أولاً: المدلول الفقهي للآثار
لقد وردت كثير من التعريفات في معنى الآثار هدفها صياغة مدلول فقهيّ يوضح لنا ملامح هذه المفردة، ويحدّد زواياها وأطرها على نحو مفهوم، غير أنّ بعضها قد جانب الصواب، فقد عرفت الآثار على أنها «هي الأشياء ذات القيمة المادية والفنية التي تخص أقوامًا قديمةً ورد ذكرها في العهد القديم» (2).
وعرفه بعضهم الآخر على «أنّه ليس قطعة حجر أو تحفةً فنيةً أو نقشا ملونًا، لكنه يعتبر مظهرا من مظاهر الحضارات المختلفة التي قامت على أرض الوطن، أو كانت لها صلة تاريخية به، فهي تلك الأشياء ذات القيمة التاريخية كالحصون، والقلاع، والأسلحة، والتماثيل، والنقوش التي ترجع إلى العهود القديمة» (3).
وجاء بعضهم بتعريف للآثار قائلا: «هي ما تركه الإنسان القديم من أدوات خلّفها، أو كهوف أو قصور عاش فيها، أو معابد نشأ عليها، أو حلي أو قلائد تزين بها، أو نذور تقرب بها، أو كتابات، أو أسلحة استخدمها، أو رسوم أو فنون خلّدها (4)». ومن التعريفات الأخرى للآثار أنها كلّ ما خلّفه الإنسان من مواد ملموسة من صنع يده من الماضي، قد تكون ثابتةً مثل المساكن والحصون والمعابد، وقد تكون متحرّكةً مثل الأواني الفخارية والحجرية (5)».
والآثار هي أشياء منقولة أو عقاريّة صنعها الإنسان أو طبيعته تتمتع بقيمة تاريخية، ولها أهمية كبيرة كعنصر من عناصر البيئة الحقيقية؛ لكونها تمثل تراثا حضاريا للمجتمعات البشريّة ؛ ولذلك كان للآثار علم خاص بها، يُسمّى بعلم الآثار (الأركيولوجيا)، وعلم دراسة جميع الأشكال الملموسة أو المنظورة التي تحفظ أثر نشاط بشريّ، فعلم الآثار هو البوابة التي يمكن من خلالها معرفة الماضي، يسانده في ذلك بعض العلوم، مثل علم اللغات يختص بدراسة النصوص المنقوشة، وفك رموزها، إضافة إلى علم (الأنتوغرافيا) علم خصوصيات الشعوب، وعلم (الأنثروبولوجيا) علم الإنسان. فهذه العلوم هي من العلوم المساعدة لعلم الآثار، فهي تشترك معه اشتراكًا وثيقا لا غنى عنه (6).
ثانيًا: المدلول القانوني للآثار
إلى جانب التعريفات اللغوية والفقهيّة فإنّ للتشريعات مساهمةً فاعلة في هذا النطاق حتى وإن اقتصرت على بيان دلالة المصطلح الذي تدور حول رحاه كلّ مواد القانون، وأعني بهذا قانون الآثار القديمة عام 1924م، الذي استخدم مصطلح (الآثار القديمة)، مما يدل على أن نص القانون مترجم عن الانكليزية التي تستعمل مصطلح (Antiquities)، الذي يترجم إلى اللغة العربية (الآثار القديمة)، وقد عرّف قانون الآثار القديمة مصطلح (الآثار القديمة) بأنه كل ما كان قد بني في العراق، أو أُحدث فيه، أو جلب إليه قبل سنة (1118هـ) أو ( 1700 م)، من المباني والهياكل، والأطلال، والأشياء التي يُستدلّ بها على فن أو علم أو صنعة أو تاريخ أو دين أو أدب أو عادة، وذلك حسب ما جاء في نص (المادة الثانية/ البند أ) من القانون ذاته.
..........................................................
1. إبراهيم مصطفى وآخرون، المعجم الوسيط، 1/5. ويُنظر: ابن منظور، لسان العرب، 1/ 52.
2. الغراوي، عمر جسّام، علم الآثار في العراق (نشأته وتطوّره)، 7.
3. منى عبد العالي موسى هيثم أحمد سلمان محمود، جريمة التنقيب عن الآثار دون موافقة، 75.
4. جورج ضو، تاريخ علم الآثار، 7.
5. بول بان، علم الآثار، 13.
6. جورج ضو، تاريخ علم الآثار، 7و10.