الفرع الأول: المعيار القانوني
لا يوجد معيار واحدٌ مُعتَمَدٌ في إطار منظومة التشريعات، بل هي مُوزّعةٌ بين ثلاثة معايير، وهي:
أولا: المعيار المادي أو ما يُسمّى بالضابط المادي، فعلى أساس هذا المعيار لا يدخل في عداد الآثار إلا ما كان من الأشياء المادية؛ فالآثار وإن كانت تُجسّد نتاج العقل من أشياء غير محسوسة مثل المبتكرات والاختراعات في التجارة والصناعة، كان لا بد لها أن تظهر بصورة أشياء مادية ملموسة واضحة للعيان يترتب عليها حق مالي، وهي محلّ هذا الحق.
وإذا نظرنا إلى جوهر هذا المعيار نجد أن المادة تمثل المحور في كون حقيقة شيء ما أثرًا أم لا، حيث خلفت المجتمعات وثائقَ دُوِّنَتْ فيها كتابات طبعتْ على رقع الطين أو نُقِشَتْ على قِطَعِ حجريةٌ أو خشبية، عدّها علمُ الآثارِ حقائق من الماضي تكشف عن دلائل الحضارات القديمة بما تحويه من أنشطة اقتصادية أو اجتماعية أو سياسية أو قانونية (1).
ثانيا: المعيار الزمني: أو ما يُسمّى بالضابط الزمني، فوفقا لهذا المعيار فإنَّ أصحابه قد جعلوا من الزمن المحور الأساس الذي يدور حوله تمييز الآثار، غير أنه قد ظهر في هذا الميدان اتجاهان، هما:
الاتجاه الأول: يذهب إلى القول بعدم ضرورة مرور مدة زمنية محددة حتى يمكن عد الشيء المادي أثرًا، إذ إنّهم يُفضّلون إدراج الأشياء التي تُعدّ آثارًا في قوائم معينة في صلب قوانين تُعَدُّ لهذا الغرض.
الاتجاه الثاني: يعتمد أنصارُ هذا الاتجاه بشكل أساسي على عنصر الزمن، إذ إنّهم يشترطون مرور المدة التي حدّدها القانون على الشيء حتى يُعدّ من قبيل الأثر (2). ثالثًا: معيار المصلحة العامة: المقصود بالمصلحة العامة هو صيانة مصلحة أفراد المجتمع عن طريق الحفاظ على مصلحة المجموع والمصلحة المشتركة، وفي هذا ما يتضمن المساواة بين المواطنين، وعدم التحيّز، والإغفال، والدولة هي المؤسسة المسؤولة عن تحقيق المصلحة العامة في ظل فكرة العقد الاجتماعي (3).
وقد جرت العادة على اعتماد معيار المصلحة العامة في تحديد الأثر في حال تخلف المعيار الزمني، إذ يتم اللجوء إليه على الرغم من عدم الدقة التي تشوبه؛ لكونه معيارًا مرنا ونسبيًّا، ويتيح للإدارة سلطةً تقديرية واسعة (4).
الفرع الثاني: معيار تمييز الآثار بوصفها أموالاً عامة
يُقصد بالأموال العامة تلك الأموال التي تستطيع الإدارة من خلالها ممارسة نشاطها وتحقيق أهدافها، سواء كانت تلك الأموال عقاريةً أم منقولةً، وتتميز
هذه الأموال بأحكام خاصة (5).
وقد ظهرت في هذا الصدد ثلاثة معايير الغاية منها تمييزها:
1. معيار طبيعة المال:
يستند هذا المعيار إلى أساس أنَّ الأموال العامة هي تلك التي لا تصلح بطبيعتها أن تكون مملوكةً ملكيّةً خاصةً، وتكون مخصصة للاستعمال المباشر للجمهور، مثال ذلك: الطرق العامة والميادين، والحدائق العامة.
2. معيار تخصيص المال للمرفق العام:
يتجه أنصار هذا المعيار إلى أنَّ المال العام هو المال المخصص لخدمة مرفق عام، أي ما يكون
مخصصا لتدبير وتسيير المرفق العام، وعلى وفق هذا المعيار تُعدُّ المباني والمؤسسات الحكومية، وما فيها من أدوات وأثاث أموالا عامةً، لكونها جميعًا مخصصةً لخدمة المرافق العامة.
3. معيار تخصيص المال للمنفعة العامة:
مقتضاه أنَّ المال يكون عاماً طالما تم تخصيصه لتحقيق النفع العام، وأيا كانت طريقة التخصيص، فقد استقر رأي الفقه والقضاء على أنَّ المال العام هو ذلك المال المملوك لإحدى الجهات الإدارية والمخصّص للمنفعة العامة (6).
.............................................................
1. علي إبراهيم إبراهيم شعبان دور الدولة في حماية الآثار، العدد الرابع، 1/ 1254.
2. محمد حسن خمو الآليات الدولية لاسترداد الآثار العراقية المسروقة، العدد 68، 19/ 239. 3. الجبوري، مصطفى طه جواد التناسب بين المصلحة العامة والخاصة في القانون الجنائي، 65.
4. علي إبراهيم إبراهيم شعبان دور الدولة في حماية الآثار، 1256.
5. علي محمد بدير وآخرون، مبادئ وأحكام القانون الإداري، 384.
6. مازن راضي ليلو، القانون الإداري، 142 و143.