المقام الخامس: في الزيارة وآدابها
والكلام هنا في جهات:
الأولى: مطلوبيّة الزيارة شرعًا
إنّ الزيارة من العبادات المطلوبة شرعًا، والسنن المؤكّدة نقلًا وعملًا، بل ورد أنّ الوالي يجبر الناس على بعض الزيارات إن تركوها رأسًا، كزيارة النّبي (صلّى اللّه عليه وآله).
وحقيقتها: الحضور لدى المزور إكرامًا له واستئناسًا به، وصرّح جمع من أجلّاء أهل اللغة بأنّ الزيارة لغة: القصد، يُقال زاره يزوره زيارة: قصده، ومنه زار أخاه أي قصده ابتغاء وجه اللّه، وحقيق على اللّه أن يكرم زوّاره أي قاصديه، واللّهمّ اجعلني من زوّارك أي من القاصدين لك الملتجئين إليك.
وفي النهاية الأثيريّة (1) ومجمع البحرين (2) وغيرهما (3) أنّ الزيارة في العرف: قصد المزور اكراما له وتعظيمًا له واستئناسًا به.
ولازم كون الزيارة بمعنى القصد صدق الزيارة مع تحقّق قصد المزور وتحقّق مانع من اللقاء كفقد المزور أو حدوث مانع من الوصول إليه ونحو ذلك. ولي فيه تأمّل، فإنّ المعنى الحقيقي للزور - بالفتح - في اللغة هو وسط الصدر أو ما ارتفع منه إلى الكتفين، أو ملتقى أطراف عظام الصدر حيث اجتمعت، والزيارة بالمعنى المبحوث عنها مأخوذة من ذلك، فهي بمعنى مقابلة الصدر بالصدر، ولذا فسّرناها بالحضور لفقد ذلك المعنى بمجرّد القصد من دون تحقّق الحضور، وهذا الذي ذكرته من كون الزيارة بالمعنى المبحوث عنه مأخوذة من الزّور بمعنى وسط الصدر قد خطر بالبال وكنت منه على ريبة، إلى أن عثرت على تصريح أبي طاهر محمد بن يعقوب في الاقيانوس بذلك فحصل لي الاطمئنان به، قال - بعد عدّ جملة من معاني الزور: المضي إلى شخص للقائه إكرامًا له، ما ترجمته - : (يقال زاره يزوره زوارًا وزيارة وزورًا ومزارًا إذا أتاه بقصد اللّقاء، والزور بهذا المعنى مأخوذ من الزور بمعنى الصدر، فكأنّ الزائر يتلقّى بصدره، أو يقصد لقاء صدر المزور، وذلك من لوازم المواجهة). انتهى مترجمًا (4).
ويمكن استشمام هذا الذي ذكرناه من قوله في تاج العروس: (والزور مصدر زاره يزوره زورًا أي لقيه بزوره أو قصد زورًا أي وجهته كما في البصائر(5)). بناءً على كون بزوره في قوله لقيه بزوره - بالباء الموحّدة الجارّة - فيكون معناه أي لقيه بصدره، فتدبّر جيّدًا.
والحاصل، فالأظهر أنّ الزيارة لا تحصل بدون ملاقاة المزور والحضور عنده، وإعطاء الثواب له عند عدم الملاقاة لنيّة الخير التي هي خير من العمل، وقولهم: خير الزيارة فقدان المزور مجاز.
ثم إنّ الزيارة وزان كتابة مصدر زاره يزوره بمعنى قصده، ومصدره الآخر المزار فإنّه – بالفتح - يكون مصدرًا بمعنى الزيارة وموضع الزيارة كما صرّح به في النهاية الأثيريّة (6)، ومصدره الثالث: الزّور بفتح الزاي وسكون الواو المخفّفة كما صرّح به جمع من أهل اللغة (7)، ففي التاج: الزور: الزائر وهو الذي يزورك يقال: رجل زور (8)، وفي الحديث: إنّ لزورك عليك حقًّا (9)، وهو في الأصل مصدر وضع موضع الاسم كصوم ونوم بمعنى صائم ونائم، وللزور بمعنى القصد استعمالات أخر.
ومنها: استعماله اسمًا للجمع كالزائرين.
ومنها: استعماله جمعًا لزائر كصحب وصاحب وسفر وسافر، يقال: رجل زور وامرأة زور يكون للواحد والجمع المذكر والمؤنث بلفظ واحد؛ لأنّه مصدر، كما صرّح به في التاج (10) وغيره.
ومنها: بضم أوله وفتح ثانيه مشدّدًا جمعًا لزائر مثل ركّع جمع راكع، ويستعمل في المذكر وكذا في المؤنّث، كما صرّح به الجوهري بقوله: (ونسوة زور وزوّر مثل نوم ونوح وزائرات) (11).
فتحصّل أنّ للزائر جموعًا أربعة: الزائرون، والزَّور ـ كصحب ـ، والزُّوَّار ككُتَّاب ـ جمع الكاتب -، والزُّوَّر ــ كرُكَّع -.
وللزائرة جموع ثلاثة: الزائرات، وزَور- كنوح-، وزور- بالتخفيف -.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) النهاية لابن الأثير: ج 2 ص 318 زور.
(2) مجمع البحرين ج 3 ص 320 زور.
(3) لسان العرب ج 4 ص 333 ــ 339.
(4) انظر القاموس المحيط ج 2 ص 42 الزور.
(5) تاج العروس: ج 3 ص 245 الزور.
(6) النهاية الأثير: ج 2 ص 318 زور.
(7) انظر المصادر التي ذكرناها في الهامش 1 و2 و3.
(8) تاج العروس ج 3 ص 245.
(9) النهاية ج 2 ص 318 وتاج العروس ج 3 ص 245.
(10) المصدرين السابقين.
(11) المصدرين السابقين، وصحاح اللغة: 2/673.