قال الله الحكيم في كتابه الكريم:وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها ولكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى وأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها واتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ.[1]
قال صاحب «مجمع البيان» في تفسيره: وفي قوله: ولَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها وجوه:
الوجه الأوّل: أنّه كان المحرمون (للحجّ في الجاهليّة) لا يدخلون بيوتهم من أبوابها، ولكنّهم كانوا ينقبون نقباً في ظهر بيوتهم أي: في موخّرها يدخلون ويخرجون منه، فنهوا عن التديّن بذلك (في الإسلام)، (و هذا الوجه) عن ابن عبّاس، وقتادة، وعطاء؛ ورواه أبو الجارود عن الإمام الباقر عليه السلام.
وقيل: إنّ الحُمْس،[2] وهم قريش، وكَنَانَة، وخُزَاعَة، وثَقِيف، وجشم، وبنو عامر بن صَعْصَعَة كانوا لا يفعلون ذلك. وإنّما سُمّوا حُمْساً لتشدّدهم في دينهم، والحماسة الشدّة. وقيل (أيضاً): بل كانت الحمس تفعل ذلك؛ وإنّما فعلوا ذلك حتى لا يحول بينهم وبين السماء شيء.
الوجه الثاني: أنّ معناه: ليس البرّ أن تأتوا البيوت من غير جهاتها، وينبغي أن تأتوا الامور من جهاتها، أي الامور كان. وهو المرويّ عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام.
الوجه الثالث: أنّ معناه: ليس البرّ طلب المعروف من غير أهله؛ وإنّما البرّ طلب المعروف من أهله.
وقال في ذيل قوله: وأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها: قال أبو جعفر الإمام الباقر عليه السلام: آلُ مُحَمَّدٍ أبْوَابُ اللهِ ووَسيلَتُهُ والدُّعَاةُ إلَى الجَنّةِ والقَادَةُ إليْهَا والأدِلَّاءُ عَلَيْهَا إلَى يَوْمِ القِيَامَةِ.
وقال النبيّ صلى الله عليه وآله: أنَا مَدِينَةُ العِلْمِ وعَلِيّ بَابُهَا ولَا تُؤْتَى المَدِينَةُ إلَّا مِنْ بَابِهَا. ويُرْوَي: أنَا مَدِينَةُ الحِكْمَةِ.[3]
وقال العلّامة الطباطبائيّ في تفسير «الميزان» بعد أن تحدّث حديثاً وافياً عن أنّ النقل قد أثبت أنّه كان المتعصّبون في دينهم وأفكارهم أيّام الجاهليّة إذا أحرموا للحجّ، يتردّدون من الجُدُر المنقوبة. وبعد أن نقل رواية في هذا المجال عن تفسير «الدرّ المنثور»، قال: وفي «محاسن البرقيّ» عن الإمام الباقر عليه السلام في قوله تعالى: «وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها» يَعْنِي أنْ يَأتِيَ الأمْرَ مِنْ وَجْهِهِ، أي الامُورِ كَانَ.
وفي «الكافي» عن الإمام الصادق عليه السلام: الأوْصِيَاءُ هُمْ أبْوَابُ اللهِ التي مِنْهَا يُؤْتَي؛ ولَوْ لا همْ مَا عُرِفَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ وبِهِمُ احْتَجَّ اللهُ تَبَاركَ وَتَعَالى عَلَى خَلْقِهِ.[4]
أي: هم حجج الله الذين يُقتدى بأخلاقهم وعقائدهم وأعمالهم كلّها. وبهم يسأل الله عباده ويجيبهم.
[1] النصف الثاني من الآية 189، من السورة 2: البقرة.
[2] الحُمس بضمّ الحاء جمع أحْمَس كالحُمْر جمع أحمر. والأحمس: المتصلّب الشديد الإرادة.
[3] تفسير «مجمع البيان» ج 1، ص 284، طبعة صيدا.
[4] «الميزان» ج 2، ص 59.