قال الله الحكيم في كتابه الكريم: أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِداً وقائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ ويَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ.[1] (هل يستوي هذا القانت القائم الراجي رحمة ربّه مع الشخص الذي إذا مسّه ضرّ، دعا ربّه منيباً إليه. وإذا خوّله ربّه نعمة كبيرة منه نسي إنابته ودعاءه. وجعل للّه شركاء ليضلّ عن سبيله؟).[2]
ورد في «غاية المرام» حديث واحد عن العامّة، واثنا عشر حديثاً عن الخاصّة في تفسير هذه الآية المباركة.
أمّا عن العامّة، فقد روى عن ابن شهرآشوب، عن النيسابوريّ في «روضة الواعظين» أنّ عُرْوَة بن الزبير كان يقول: سمع بعض التابعين أنس ابن مالك يقول: نزلت الآية: أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِداً وقائِماً في عليّ عليه السلام.
قال ذلك الرجل التابعيّ: فأتيتُ عليّاً عليه السلام وقت المغرب فوجدته يصلّي ويقرأ القرآن إلى أن طلع السحر. ثمّ جدّد وضوءه، وخرج إلى المسجد وصلى بالناس صلاة الفجر؛ ثمّ قعد في التعقيب إلى أن طلعت الشمس، ثمّ قصده الناس فجعل يقضي بينهم إلى أن حان وقت صلاة الظهر، فجدّد الوضوء ثمّ صلى بأصحابه صلاة الظهر. ثمّ قعد في التعقيب إلى أن صلى بهم العصر، ثمّ كان يحكم بين الناس ويفتيهم.[3]
وأمّا عن الشيعة، فالأوّل عن الكلينيّ بسنده عن عمّار الساباطيّ، عن الصادق عليه السلام قال بعد تفسير الآية السابقة: عطف الله عزّ وجلّ القول في عليّ عليه السلام يخبر بحاله وفضله عند الله تبارك وتعالى، ثمّ قال أبو عبد الله عليه السلام: فهذا تأويله يا عمّار.[4]
وعن عليّ بن إبراهيم في تفسيره المنسوب إلى الصادق عليه السلام قال بعد تفسير الفقرة السابقة: أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِداً وقائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ نزلت في أمير المؤمنين عليه السلام. ويَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ[5] َقُلْ (يَا مُحَمَّدُ) هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ، يعني اولي العقول.[6]
وروى تسع روايات بأسناد مختلفة عن الكُلينيّ، ومحمّد بن الحسن الصَّفَّار في «بصائر الدرجات»، وأحمد بن محمّد بن خالد البرقيّ في كتاب «المحاسن»، وعن محمّد بن عبّاس أنّ أبا جعفر الباقر، وأبا عبد الله الصادق عليهما السلام قالا في تفسير هذه الآية الكريمة: «نحن الذين يعلمون»؛ «وعدونا الذين لا يعلمون»؛ وشيعتنا «اولوا الألباب».[7]
وذكر الحاكم الحَسْكانيّ بسنده المتّصل هذا المفاد من التفسير عن الباقر عليه السلام.[8]
وذكر الشيخ الطبرسيّ هذا المضمون مرسلًا بدون إسناد.[9]
وقال العلّامة الطباطبائيّ رضوان الله عليه بعد أن روى هذا المعنى عن «الكافي» بسنده عن الإمام الباقر عليه السلام: وهذا المعنى مرويّ بطرق كثيرة عن الباقر والصادق عليهما السلام. وهو جَرْى وليس من التفسير في شيء.[10]
ونقل الحاكم الحَسْكانيّ أيضاً رواية اخرى بسند آخر عن ابن عبّاس أنّ المراد من قوله: هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ عليّ وأهل بيته من بني هاشم. والمراد من قوله: والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ بنو اميّة، والمراد من قوله: أُولُوا الْأَلْبابِ شيعتهم.[11]
لقد بلغت فضيلة العلم قدراً عظيماً بحيث يبيّنها الله تعالى على سبيل الاستفهام الإنكاريّ في هذه الآية: قل يا أيّها النبيّ! «هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون»؟! والآية كسائر الآيات، تشعّ بتألّقها في الأوساط والمدارس والحركات والمذاهب إلى يوم القيامة، وتتصدّر امّهات النماذج والشعارات في بيان عظمة العلم. وبالعلم يميَّز الإنسان عن البهائم والجمادات. وبه ينتشل الإنسان من الظلمات إلى النور. والفرق بينه وبين الجهل كالفرق بين النور والظلمة، والفرق بين القرب والبعد، وبين البصر والعمى، والسعادة والشقاء، والجنّة والنار، والحقيقة والمجاز، وأخيراً الفرق بين الحقّ والباطل، والعرفان وعدم إدراك عالم الوجود وأسراره.
[1] الآية 9، من السورة 39: الزمر.
[2] هذا هو مفاد الآية السابقة لهذه الآية، أي: الآية الثامنة: وإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ دَعا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ ثُمَّ إِذا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ ما كانَ يَدْعُوا إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وجَعَلَ لِلَّهِ أَنْداداً لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ.
[3] «غاية المرام» ص 415، الباب 161، الحديث الأوّل عن العامّة.
[4] «غاية المرام» ص 415 و416، الباب 162، الحديث الأوّل عن الخاصّة.
[5] يبدو أنّ قوله: ويَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ ينبغي أن يأتي قبل ذكر نزول الآية في أمير المؤمنين عليه السلام وبعد قوله: ويَحْذَرُ الآخِرَةَ. ولكن لمّا وردت الرواية علي النسق المذكور في «غاية المرام»، وكذلك في «تفسير عليّ بن إبراهيم» ص 575، لذلك ذكرناها هنا بدون تصرّف فيها.
[6] «غاية المرام»، ص 416، الحديث الثاني عشر عن الخاصّة.
[7] «غاية المرام» ص 416، الحديث 2 إلي 8 و10 و11، عن الخاصّة.
[8] «شواهد التنزيل» ج 2، ص 116، الحديث 805.
[9] «مجمع البيان» ج 4، ص 491، طبعة صيدا.
[10] «الميزان» ج 17، ص 260.
[11] «شواهد التنزيل» ج 2، ص 117، الحديث 806.