روى الشيخ المفيد في «الإرشاد» عن يونس بن الحسن أنّ عمر اتي بامرأة قد ولدت لستّة أشهر، فهمّ برجمها. فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: إنْ خَاصَمَتْكَ بِكِتَابِ اللهِ خَصَمَتْكَ! إنّ اللهَ تعالى يَقُولُ: وحَمْلُهُ وفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً.[1] ويَقُولُ جَلَّ قَائِلًا: والْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ.[2] فَإذَا تَمَّمَتِ المَرْأةُ الرّضَاعَةَ سَنَتَيْنِ وكَانَ حَمْلُهُ وفِصَالُهُ ثَلَاثِينَ شَهْراً، كَانَ الحَمْلُ مِنْهَا سِتَّةَ أشْهُرٍ.
ولمّا سمع عمر هذا الكلام من أمير المؤمنين عليه السلام، خلّي سبيل المرأة، وثبّت الحكم بذلك، فعمل به الصحابة والتابعون ومن أخذ عن عليّ عليه السلام إلى يومنا هذا.[3]
وذكر ابن شهرآشوب أنّ الهيثم كان في جيش. فلمّا رجع، ولدت امرأته بعد قدومه بستّة أشهر ولداً، فأنكر ذلك منها، وجاء بها إلى عمر، وقصّ عليه. فأمر برجمها، فأدركها عليّ بن أبي طالب عليه السلام من قبل أن ترجم؛ ثمّ قال لعمر: أربع على نفسك! إنّها صدقت. إنّ الله تعالى يقول: وحَمْلُهُ وفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً. وكذلك يقول: والْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ. فالحمل والرضاع ثلاثون شهراً.
فقال عمر: لَوْ لَا عَلِيّ لَهَلَكَ عُمَرُ. وخلّى سبيلها. والحق الولد بالرجل. واقرّ النسب.
ثمّ قال ابن شهرآشوب بعد هذا المطلب: شرح ذلك: أقلّ الحمل أربعون يوماً وهو زمن انعقاد النطفة. وأقلّه لخروج الولد حيّاً ستّة أشهر. وذلك أنّ النطفة تبقى في الرحم أربعين يوماً، ثمّ تصير علقة أربعين يوماً، ثمّ تصير مضغة أربعين يوماً، ثمّ تتصوّر في أربعين يوماً، وتلجها الروح في عشرين يوماً، فذلك ستّة أشهر، فيكون الفصال في أربعة وعشرين شهراً، فيكون الحمل في ستّة أشهر.[4]
وثبت اليوم طبّيّاً أنّ الجنين يتمّ في بطن امّه لستّة أشهر، فيستطيع أن يواصل حياته، غاية الأمر أنّ الأشهر الثلاثة الاخرى قد عُيّنت للنموّ في جوّ مناسب وتغذية أفضل.
وعلى ضوء ما ورد في كتب التأريخ، فإنّ سيّد الشهداء عليه السلام، ويحيى بن زكريّا على نبيّنا وآله وعليهما الصلاة والسلام قد ولدا لستّة أشهر. فلم تكن هذه الحقيقة خارجة عن القواعد والقوانين الطبيعيّة.
قال النيسابوريّ في تفسيره، في ذيل الآية: والْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ: إنّ مدّة الحمل ستّة أشهر. وعن عمر أنّ امرأة ولدت لستّة أشهر، فرفعت إليه، فأمر برجمها، فأخبر عليّاً رضي الله عنه بذلك فمنعه محتجّاً بالآية، فصدّقه عمر، وقال لَوْ لَا عَلِيّ لَهَلَكَ عُمَرُ.
وقال جالينوس: إنّي كنت شديد الفحص عن مقادير أزمنة الحمل، فرأيت امرأة ولدت في المائة والأربع والثمانين ليلة. وزعم ابن سينا أنّه شاهد ذلك.
وذكر أهل التجارب قاعدة كلّيّة، قالوا: إنّ لتكوّن الجنين زماناً مقدّراً، فإذا تضاعف ذلك الزمان، تحرّك الجنين. ثمّ إذا اضيف إلى المجموع مثلاه، انفصل الجنين.
وعلى هذا، فلو تمّت خلقة الجنين في ثلاثين يوماً، وأتى عليه مثل ذلك، أي: إذا بلغ علوقه ستّين يوماً فقد تحرّك. وإذا اضيف إلى هذا المقدار مثلاه -أي مائة وعشرون يوماً- فبلغ مدّة مائة وثمانين فسينفصل. ولو تمّت خلقته في خمسة وثلاثين يوماً، فقد تحرّك في سبعين وانفصل في مائتين وعشرة، وهو سبعة أشهر.
ولو تمّت خلقته في أربعين فقد تحرّك في ثمانين وانفصل في مائتين وأربعين، وهو ثمانية أشهر. وقلّما يعيش هذا المولود، إلّا في بلاد معيّنة مثل: مصر، وقد مرّ هذا المعنى في هذا الكتاب.
ولو تمّت في خمسة وأربعين فقد تحرّك في تسعين وانفصل في مائتين وسبعين، وهي تسعة أشهر، وهو الأكثر. أمّا أكثر مدّة الحمل، فليس يعرف له دليل من القرآن الكريم.[5]
وروى البيهقيّ في سننه مرسلًا، في باب مَا جَاءَ في أقَلِّ الحَمْلِ بسندين متّصلين عن أبي الحرب بن الأسود الدؤليّ، وعن الحسن البصريّ، أمر عمر برجم المرأة التي ولدت لستّة أشهر، ومنع أمير المؤمنين عليه السلام إيّاه.[6]
وروى السيوطيّ هذا الحديث في «الدرّ المنثور» عن عبد الرزّاق، وعبد بن حميد، وابن منذر، عن طريق قُتادة، عن أبي الأسود الدؤليّ.[7] ونقله العلّامة الفقيد آية الله الطباطبائيّ رضوان الله عليه في «الميزان» عن السيوطيّ في «الدرّ المنثور» والشيخ المفيد في «الإرشاد».[8]
وروى مضمون هذه الرواية أيضاً كلّ من: الخوارزميّ،[9] ومحبّ الدين الطبريّ؛[10] وسبط ابن الجوزيّ،[11] وابن عبد البرّ،[12] والملّا عليّ المتّقي الهنديّ.[13] وورد في آخر حديث الخوارزميّ أنّ هذه المرأة ولدت مرّة اخرى لستّة أشهر أيضاً. وذكره السيّد ابن طاووس عن مصادر العامّة ردّاً على مذهبهم.[14]
ورواه الملّا عليّ المتّقي الهنديّ بسند آخر عن قتادة عن أبي الحرب ابن الأسود الدؤليّ، عن أبيه، وهو كما يأتي: رُفع إلى عمر امرأة ولدت لستّة أشهر، فأراد عمر أن يرجمها، فجاءت اختها إلى عليّ بن أبي طالب عليه السلام، فقالت: إنّ عمر يرجم اختي، فانشدك الله إن كنت تعلم أنّ لها عذراً لما أخبرتني به! فقال عليّ بن أبي طالب: إنّ لها عذراً.
فكبّرت تكبيرة سمعها عمر ومَن عنده. فانطلقت إلى عمر، فقالت: إنّ عليّاً زعم أنّ لُاختي عذراً. فأرسل عمر إلى عليّ: ما عذرها؟ قال عليه السلام: قال الله عزّ وجلّ: وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ.
وقال: وحَمْلُهُ وفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً. فالحمل ستّة أشهر، والفصل أربعة وعشرون شهراً. فخلّى عمر سبيلها. قال: ثمّ إنّها ولدت بعد ذلك لستّة أشهر.[15]
وحدث مثلها في عهد عثمان، وقضى عثمان برجم امرأة بريئة. وعند ما بلغ عثمان احتجاج أمير المؤمنين عليه السلام، كان قد رجم تلك المرأة المسكينة، ولات حين لوم، إذ سبق السيف العذل.
[1] الآية 15، من السورة 46: الأحقاف. وتمام الآية: ووَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ إِحْساناً حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً ووَضَعَتْهُ كُرْهاً وحَمْلُهُ وفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً حَتَّى إِذا بَلَغَ أَشُدَّهُ وبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وعَلى والِدَيَّ وأَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ وأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ.
[2] الآية 233، من السورة 2: البقرة. وتمام الآية: وَٱلوَٰلِدَٰتُ يُرضِعنَ أَولَٰدَهُنَّ حَولَينِ كَامِلَينِ لِمَن أَرَادَ أَن يُتِمَّ ٱلرَّضَاعَةَ وَعَلَى ٱلمَولُودِ لَهُۥ رِزقُهُنَّ وَكِسوَتُهُنَّ بالمَعرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفسٌ إِلَّا وُسعَهَا لَا تُضَآرَّ وَٰلِدَةُ بِوَلَدِهَا وَلَا مَولُود لَّهُۥ بِوَلَدِهِ وَعَلَى ٱلوَارِثِ مِثلُ ذَٰلِكَ فَإِن أَرَادَا فِصَالًا عَن تَرَاض مِّنهُمَا ومِنْهُما وتَشاوُرٍ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما وإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِذا سَلَّمْتُمْ ما آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ واتَّقُوا اللَّهَ واعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ.( الفصال لمرض الام أو لسفر، أو عند العثور علي مرضعة أفضل أو الطلاق أحيانا وغير ذلك).
[3] «الإرشاد» ص 113 و114، الطبعة الحجريّة؛ و«الإيضاح» للفضل بن شاذان بتعليق الارمويّ، ص 190 و191. وفيه. ومن الأحاديث التي تذكرونها، ولا ينكرها المخالف والموافق هذا الحديث ... إلي آخره. ورواه المجلسيّ رضوان الله عليه في الجزء التاسع من «بحار الأنوار» ص 483، طبعة الكمبانيّ، عن «بشارة المصطفي» للطبريّ، عن يونس بن الحسن بعينه.
[4] «المناقب» ص 496، الطبعة الحجريّة.
[5] «تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان» لنظام الدين حسن بن محمّد القمّيّ النيسابوريّ المتوفّى سنة 728 ه، ج 26، ص 10، طبعة مطبعة الحلّيّ بمصر.
[6] «السنن الكبرى» ج 7، ص 442.
[7] تفسير «الدرّ المنثور» ج 6، ص 40.
[8] «الميزان في تفسير القرآن» ج 18، ص 224.
[9] «مناقب الخوارزميّ» ص 57 من الطبعة الحجريّة، وص 49 و50 من الطبعة الحديثة بالنجف؛ ونقله البحرانيّ في «غاية المرام» ص 531، الحديث 8 عن العامّة، عن الخوارزميّ، عن الزمخشريّ.
[10] «ذخائر العقبي» ص 82. ثمّ قال: أخرجه القلعيّ، وابن السمّان. وأخرج أحمد، وأبو عمر عن سعيد بن المسيّب ما نصّه: كان عمر يتعوّذ من معضلة ليس لها أبو حسن؛ وكتاب «الرياض النضرة» ج 3، ص 205، طبعة مكتبة لبندة. وقال: أخرجه العقيليّ وابن السمّان عن أبي حزم، عن أبي الأسود.
[11] «تذكرة خواصّ الأُمّة» ص 87.
[12] «الاستيعاب» ج 3، ص 1103.
[13] «كنز العمّال» ج 6، ص 106، الحديث 785 عن عبد الرزّاق في جامعه، الطبعة الثانية، حيدرآباد.
[14] «الطرائف في معرفة مذهب الطوائف» ص 472، طبعة مطبعة الخيّام، 1400 ه. وقال ما نصّه: ومن طرائف ما شهدوا به علي خليفتهم عمر أيضاً من إقدامه علي قتل النفوس وتغيير شريعة نبيّهم وتبديله لأحكامه ما ذكره الحميديّ في كتاب «الجمع بين الصحيحين» في فصل منفرد في آخر الكتاب المذكور. قال: إنّ عمر أمر برجم امرأة ولدت لستّة أشهر ... إلي آخر الرواية.
[15] «كنز العمّال» ج 6، ص 106، الحديث 784، الطبعة الثانية، حيدرآباد، عن عبد الرزّاق وعبد بن حميد، وابن المنذر.